» مقالات وآراء
مقالات للكاتب
إقرأ ايضا
الأكثر قراءة
يوم اسبوع شهر
    نعم للاندماج.. لا للذوبان!
    منذ فترة والمجتمع الهولندي مشغولاً ومهموماً بقضية الاندماج وتم تداول المسألة عبر أروقة البرلمان ورجال الفكر والثقافة ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والرأي العام والحكومة وجاء مقتل المخرج الهولندي تيو فان خوخ ليضفي على مفهوم الاندماج أبعاد أخرى لم تكن مطروحة من قبل.الاندماج هو علاقة بين طرفين الأول هو المجتمع الهولندي وهو الأقوى والطرف الثاني هو المهاجر الوافد والذي علية أن يدور في فلك المجتمع الهولندي . فلو قلبنا في صفحات القواميس العربية لوجدنا أن كلمة اندماج تعني دخول الشيء في الشيء بمعنى أخر (الضفيرة) فالضفيرة مجموعة من الخيوط المتشابكة المتداخلة تشكل في مجموعها عامل قوة. وهو ما نطمح إليه.
    فما هو مفهوم الاندماج لدى المجتمع الهولندي فحتى الآن لم يصل إلى فهم صحيح وحقيقي ودقيق لعملية الاندماج. ولنا عدة ملاحظات على ذلك. من المعروف أن الوافد يأتي إلى هولندا مُحملاً بثقافة وعادات وتقاليد وأعراف وموروثات مغايرة ومختلفة عن المجتمع الهولندي وأكثر من ذلك أننا جئنا من مجتمعات بينها وبين هولندا فجوة حضارية كبيرة. فما هو المطلوب من عملية الاندماج؟ هل هي عملية مسح لهوية الوافد وتحويلها إلى صفحة بيضاء لتعاد صياغة مفرداتها عن طريق المجتمع الهولندي (بمعنى أخر استبدال جينات الوافد بجينات هولندية...!) أو ما يسمى في لغة الكمبيوتر بعمليتي الفورمات ومن ثم الإنستاليرا !
    استخدم آباؤنا الضرب في عملية تربيتنا وفعله أجدادنا مع آباؤنا ولم تتفكك الأسر..! فإذا تعامل أب مع أبناؤه بنفس الطريقة في هولندا يعامل كرجل خارج عن القانون وغير أمين على أبنائه وقد يصل الأمر إلى أخذ ابنه منه وهو ما يؤدي إلى حدوث شرخ بينه وبين المجتمع الهولندي وينتج عنه حالة كره شديد! هذا بالنسبة لعادات الوافد . أما ترك الطفل لمدة طويلة يبكي في غرفة لوحده عقاباً له على ما ارتكبه من خطأ لا يعاقب عليه القانون مع أن هذا يؤدي إلى أخطر أنواع الكآبة حسب رأى علماء الطب النفسي..!
    ومثال أخر . في أوج الانتخابات الأخيرة جلس مجموعة من المصريين أصحاب المحلات في هولندا ولديهم مؤهلات جامعية ولهم مدة تزيد عن العشرين عاماً في هولندا ويجيدون اللغة الهولندية في أحد المطاعم ولم يتطرق بهم الحديث عن الانتخابات وما يحدث فيها وفجأة دخل عدة شباب صغار السن من أصل هولندي وكان مجرى حديثهم يدور عما يحدث في الانتخابات وعن الأحزاب وعن توقعاتهم من سيربح ومن سيخسر ومر حديث الشباب الهولندي على المصريين مرار الكرام ولم يحرك فيهم ساكنا. من هنا نفهم أنه هناك فجوة حضارية ليس من السهل تجاوزها.
    يعتقد الكثير من أولي الأمر في هولندا أن عدم المعرفة والإلمام باللغة الهولندية هو سبب القصور في عملية الاندماج وهذا ليس صحيحاً فطلبة المدارس المولودين في هولندا يجيدون اللغة سواء كانوا من أصول مغربية أو أتراك أو سورينام وعندما تشاهد العلاقات والصداقات التي تنشأ بينهم تجد أن المغاربة يصادقون المغاربة وكذلك يفعل الأتراك والسورينام والعجب أن الهولنديين يفعلون نفس الشيء فاللغة سبب من الأسباب وليست كل الأسباب..!
    إن التركيز على كبار السن في عملية الاندماج هو حرث في البحر ومن ثم يجب أن ينصب الاهتمام الكبير على الأطفال لأنهم المستقبل .
    نستعيذ بالله للدخول إلى حقل الألغام وعش الدبابير ألا وهو الإعلام الهولندي فله دور كبير وفعال في تهيئة عملية الاندماج وخاصة بالنسبة للمسلمين والعرب فهناك شريحة من الإعلام الهولندي تضخ أخباراً صباحاً ومساءاً تصور الإسلام والمسلمون على أنهم نيزك يقترب من الأرض وسيقوم بتدميرها! وهو في ذلك ينقل ما يبثه اليمين المتطرف عن الإسلام حرفياً وبدون تعديل فأين الإستقلالية هنا؟ فبعد مقتل المخرج تيو فان خوخ قامت بعض وسائل الإعلام بعملية شحن لم يسبق لها مثيل ضد المسلمين مما أثار بعض الشباب الهولندي فقاموا بحرق مدرسة إسلامية بالكامل مع العلم أن الجميع يعلم أن الأتراك ليس لهم أي دور في مقتل ذلك المخرج من قريب أو بعيد، وهذا ما لم يفعله الإعلام في مقتل بم فورتون مع أن هناك فارق كبير بين بم فورتون وتيو فان خوخ...!!
    فما هو دور الحكومات المتعاقبة في عملية الاندماج إنهم جميعاً شاركوا بقصد أو بدون قصد في عدم الاندماج فحينما تتجول في (بايلمر) تحس أنك في أفريقيا وإذا تسوقت من (أمستردام أوست) تحس أنك في استنبول أما لو أردت التنزه في غرب أمستردام فحقاً أنت في كازابلانكا وحينما حدثت الانتفاضة الشهيرة بين الشباب المغربي والشرطة الهولندية منذ سنوات في غرب أمستردام (المكان الذي خرج منه محمد بيه) لم يستتب الأمن إلا بعد وصول رئيس وزراء المغرب (عبد الرحمن اليوسفي) لزيارة عين المكان لتهدئة الشباب العاطل مع أنهم من الجيل الثاني المولود في هولندا! إنها نتيجة حتمية لحكومات جمعت الأجانب في أماكن سكنية مغلقه عليهم وكذلك تلك المدارس السوداء وخلافه.....!
    وتمادي الحكومات في إهدار المال بدعمها للمؤسسات والجمعيات الكرتونية التي ليس لها جذور في مجتمعاتها رغم أنها تتحدث بلسان جاليتها والكل يعلم كم من الأموال صرف وأين صرفت بدعوى الاندماج. إن الآباء المهاجرين من الرعيل الأول قدموا إلى هولندا ولديهم قسط قليل من الثقافة والتعليم والمعرفة فاستغلت الحكومات المهاجرين وبدأت في تربية أطفالهم في شتى المجالات وكانت النتيجة أن 40% من الشباب المغربي في إحدى المحافظات لهم ملفات لدى البوليس وهذا يرجع لعدم إعطاء الآباء فرصة حقيقية وكافية لتربية أطفالهم وإصرار الحكومة على مراقبة عملية التربية..! إن الحكومات الهولندية كانت تراهن على أن الجيل الثاني والثالث سيذوب في المجتمع الهولندي تلقائياً ولكن حدث العكس تماماً. انها مشكلة حقيقية لأن عدد العاطلين من المغاربة يزداد يوما بعد يوم وليس لديهم فرص عمل ولهم متطلبات في الحياة إنها قنبلة موقوتة تنفجر مع أول فرصة.
    من هنا ندعو الحكومة الهولندية لدراسة أعظم تجربة في الاندماج في القرن العشرين وهي التجربة الماليزية حيث تتكون ماليزيا من ثلاث أعراق رئيسية هندوس وبوذيون ومسلمون وبنسب متقاربة ورغم ذلك نجحت في التعايش وليس الاندماج فقط وانتقلت من مجتمع رعوي فلاحي إلى مجتمع حديث ومتقدم.
    وأنا لست من الخبراء في هذا المجال ولكني أعتقد أن أحد الحلول الهامة هو استنفار كل الطاقات لوضع خطة علاجية لهؤلاء الشباب تشمل العلاج الاجتماعي والتربوي والنفسي والتثقيفي بهدف إعادة تأهيلهم اجتماعيا وعملياً من جديد وتدريبهم على مهن تتناسب مع إمكانياتهم وأن يتم ذلك بالتعاون مع منظمات اتحادات الصناع ومؤسسات المشروعات الصغيرة والمتوسطة بحيث يكون هناك ضماناً بإلحاق هؤلاء الشباب بعمل أو مهنة ثابتة بعد تدريبهم وإعادة تأهيلهم ونعطي حافز لكل من يقدم فرصة عمل لواحد منهم بتخفيض ضرائبه أو إلى ما شابه ذلك من الحوافز وبدون ذلك فسيكون الوضع كما يقول المثل الهولندي بأنهم ينقلون الماء إلى البحر أو كما نقول نحن العرب إنهم يحرثون في البحر...؟
    وفي النهاية نحن لا ندعي بأننا ملائكة وبلا أخطاء فنحن جميعا بشر!
    qq
    © 2011 Dalili.nl كاقة الحقوق محفوظة
    Designed by Ayoub media and managed by Ilykit