» تحقيقات وتقارير
مقالات للكاتب
إقرأ ايضا
الأكثر قراءة
يوم اسبوع شهر
    العرَب والأحزاب والأزمة الهولنديّة
    منذ بدأت هولندا تعطى اهتمامها بضرورة تشجيع الأجانب على الاندماج في المجتمع الهولندي، أعلن البعض أن هناك ضرورة ملحة لإشراك الأجانب في السياسة الهولندية وجعلهم جزءا منها ومن اهتماماتها كما هو الحال بالنسبة للهولنديين الأصليين. ولأن الأجانب ليسوا جميعاً سواسية من حيث الفكر والثقافة والعادات والتقاليد ، فسوف أقصر اهتمامي هنا على الأجانب ذوى الأصول العربية ليس ذلك بسبب انتمائهم الجغرافي فقط بل وأيضاً الإجتماعى والثقافي وكذلك السياسي. لقد لاحظنا أن قلة قليلة من هؤلاء هم الذين يمكن وصفهم بالمنتمين للمجتمع الهولندي والمندمجين فيه ، كما لاحظنا أن الأحزاب الهولندية حاولت دائماً استقطاب تلك النخبة على أمل أن يحصلوا من خلالهم على أصوات أبناء جاليتهم ، ولكن الأحزاب الهولندية ومعها الحكومات الهولندية المتعاقبة، لم تستطع أن تعي الحقيقة المرة ، وهى أن هؤلاء الناس ليس لديهم اهتمامات سياسية إلا إذا كان ذلك الاهتمام سيؤدى إلى نتيجة واحدة ، ليست هي المزيد من الاندماج والمشاركة في المجتمع ولعب الدور السياسي المطلوب من الجالية ، بل هي أن تؤدى تلك المشاركة إلى الحصول على دعم مالي أو المزيد منه إن كانوا حصلوا عليه مسبقاً وقد حاولت المؤسسات الهولندية المختلفة ثقافية كانت أم اجتماعية أم سياسية أن تعمل على دراسة وضع هؤلاء الأجانب ووضع الخطط لإخراجهم من عزلتهم ولإشراكهم في العمل السياسي . وكانت نتيجة سياسة استقطاب الناجحين من أبناء الجاليات الأجنبية للأحزاب الهولندية سببا في المزيد من الانعزال بل والابتعاد الكامل عن هؤلاء " الأبناء العاقين "حتى يثوبوا لرشدهم ويبتعدون عن السياسة الهولندية . وهكذا ، لا استفادت الأحزاب من دخول الأجانب، ولا نجحت في إقناع الجاليات بالمشاركة ولا حتى بالرأي والآن بدأت المحاولات من جديد في البحث عن الحلول وأساليب وطرق جديدة لإشراك الأجانب في السياسة على أمل أن يساعد هذا على مكافحة الإرهاب ، وهذا سبب غريب فى حد ذاته وليس مشجعا لأحد على المشاركة فى السياسة ، فالمشاركة في العمل السياسي لا تبدأ بالحرب على الإرهاب خاصة إذا كان الذي سيحارب الإرهاب هو نفسه المتهم بممارسة الإرهاب لذلك أرى أن هذه السياسة سوف تفشل كما فشلت سياسات أخرى سابقة . والمشكلة أن من يعنيهم الأمر لا يرون بعض الحقائق الهامة وهى حقائق عانينا منها وما زلنا نعانى منذ حاولنا تأسيس حزب سياسي لمساعدة العرب في هولندا على المشاركة في السياسة و المجتمع الهولندي المشكلة الكبرى تكمن في أن الغالبية العظمى من العرب قادمين من دول لا تعرف الديمقراطية ولم تمارسها بل ولا تريد أن تعرفها أساسا . وكثير من هؤلاء ولدوا في بلادهم وشبوا وترعرعوا بل وتزوج بعضهم وأنجب أبناءاً وهو لم يسمع ولم يرى سوى نفس الرئيس أو نفس الملك الذي يحكمه وعندما يرى أن ملكة هولندا باقية على العرش منذ 25 سنة أو أكثر ، يتساءل باستغراب : وما هو الفرق بين هنا وهناك ؟ ولماذا يعتبرون أنفسهم ديمقراطيين هنا وهناك لا ؟ إنه لا يعرف أن الملكة هنا لا تحكم بينما يحكم الرئيس أو الملك هناك ويتحكم ، فهو الحاكم بأمره وهو الآمر الناهي . وعندما يجتمع العرب في هولندا لمناقشة أمر من الأمور نجدهم جميعاً في منتهى الانتباه والاهتمام وأنهمك جميعا متحررين وديمقراطيين إلى أن تبدأ عملية البحث عن رئيس للتنظيم أو المجموعة ، عندئذ يحدث العجب فنحن جميعا ديمقراطيون طالما إننا جميعاً لدينا الفرصة لكي نكون الرئيس ، فإذا أتضح أن هناك احتمالات بأن ينجح شخص آخر كرئيس أعلنا عليه الحرب واتهمناه بكل الاتهامات وأبشعها بما في ذلك اتهامات لا علاقة لها بسياساته ولا قدرته على تولى المسؤولية بل فقط اتهامات تهدف للإطاحة به من احتمال انتخابه . فالقاعدة العربية تقول : أنا ديمقراطي وفى غاية الديمقراطية طالما أنكم ستنتخبونى ، فإذا لم تفعلوا فلا حاجة إلى بديمقراطيتكم ولأنه من غير المعقول أن يكون هناك أكثر من رئيس لأي تنظيم نجد أن العرب يتفننون في توصيف الوظائف ، فالرئيس له نائبي رئيس أول وثاني ، وهناك سكرتير أول وثاني ، وهناك متحدث رسمي باسم الرئيس غير المتحدث باسم التنظيم ، الخ .... الخ الهدف من كل هذا هو محاولة توزيع المناصب العليا بطريقة تجعل الفرق بين شخص وآخر غير محسوسة : وينتج عن ذلك بالتالي اعتبار كل شخص أن يرأس الرئيس وبالتالي فلا يجوز للرئيس أن يطلب منه أي شئ أو يكلفه بأي عمل فهو ليس أقل منه . وهكذا تتحول التنظيمات العربية إلى تنظيمات تشريفة للمشاركة في الحفلات و المناسبات وتوزيع الابتسامات على الهولنديين لكي يروا كم نحن ديمقراطيين ولدينا خمسة أفراد رأسهم برأس الرئيس .
    بمثل هذه العقليات وذلك الفكر لن تنجح الديمقراطية لا في هولندا ولا في الدول الأصلية و القاعدة تقول أن فاقد الشئ لا يعطيه . والعرب لم يتعلموا الديمقراطية أصلا ، فالديمقراطية ممارسة عملية تبدأ في المدرسة الابتدائية عندما يجلس الأطفال الأربعة معا على الطاولة يشتركون في اللعب وفى حل الألغاز وفى تركيب الألعاب المفككة، عندئذ يتعلمون العمل الجماعي الذي هو الخطوة الأولى نحو الفهم الديمقراطي ، وهم يتباحثون مع المعلم و المعلمة ويتبادلون الرأي في البحث عن حل للمشكلة المطروحة ويبدى كل طفل رأيه في الحل الأنسب وتتم تجربة كل حل حتى يتوصل الجميع للحل الأنسب . أما في الدول التي يجلس فيها التلاميذ في الفصل بلا حراك يستمعون لما يقوله معلم قد يكون فاهما أو غير فاهم فإذا سئل لماذا ؟ أجاب : هي كده وتحفظوها كده ، فإذا عاد التلميذ لمنزله وسأل أبوه أو أمه ( ها إن فهما السؤال أصلا ) فتكون الإجابة هي : لا تتكلم كثيرا وافعل ما أمرك به المعلم . عندئذ تتخرج من المدارس و الجامعات العربية آلات لا تفكر ولا تعمل إلا بالضغط على الزر ، وهى غير مستعدة لأي نقاش أو تفاهم ، وهى فاقدة العزم وفاقدة الشخصية وهى الأرضية الخصبة لكل من يريد أن يزرع الكراهية و الحقد ضد أي نظام وأي سياسة وأي ثقافة . إذا كانت هولندا جادة فعلا في اشتراك العرب في الحياة السياسية و الثقافية فعليها أن تبدأ بإعداد البرامج التثقيفية التي تعرف بالحضارة و الثقافة و التقاليد و العادات الديمقراطية في هولندا وإشراكهم في تلك البرامج ووضع حوافز تشجيعية للمشاركين بحيث تصبح المشاركة والاندماج في المجتمع الهولندي عملا يفخر به الأجنبي المشارك ، بدلا من أن يقول أنه يفعل ذلك لأنه إذا لم يفعل فقد لا يحصل على إقامة أو لا تجدد إقامته ، إن هذا الأسلوب في حد ذاته نوع من الإرهاب ، فكيف نحارب الإرهاب بالمزيد من الإرهاب ليست مسألة تعلم اللغة الهولندية ، فأكثر مَن يتهمون بالعداء للمجتمع الهولندي هم من المولودين في هولندا ولا يكادون يتكلمون لغة آبائهم الأصلية، فإجادة اللغة لم تمنع حدوث الانفصال الذي يخشاه الجميع عن المجتمع الهولندي . إن الأمر هام واجل وعلى مَن يحبون بلدهم – هولندا – من هولنديين أصليين وهولنديين من أصول أخرى ، أن يضعوا أيدي بعضهم البعض وأن يحاولوا البحث عن حلول جديدة غير تقليدية ، فبرنامج المواطنة وحده لن يكفى ولن يحل المشكلة ، حتى وإن ظنت فردونك عكس ذلك .
    © 2011 Dalili.nl كاقة الحقوق محفوظة
    Designed by Ayoub media and managed by Ilykit