أخبار

خيري شلبي..أحد كتاب مصر العظماء

د. أماني فؤاد
في إبداعات الكاتب والروائي الكبير (خيري شلبي) يجد المتلقي نفسا سرديا ممتدا يتوالد، حكايات تتناسل في انسيابية، حيث القص الذي يتمتع بالغنى الفني والفكري، لكاتب موسوعي الثقافة، متسع التجارب، توافر له في تجربته الحياتية معرض متسع من النماذج البشرية، فغاص في أعماقها يرسم حيواتهم الداخلية الكامنة، والسطحية التي تعكس كالمرايا تداخل وتعقد النفس البشرية الشديد، ففي رواياته تتجسد رؤية فاحصة للمجتمع بقضاياه وطبقاته، للحياة بالريف، وفي المدينة أيضا، يرصد لحياة المهمشين؛ ليبين العوار السياسي والفكري والثقافي، ويجسد أيضا التميز الفردي كما فعل في البورتريهات البراقة الفكر والذائقة، الروائي الذي يُعشّق في براعة بين الشأن الخاص للشخصيات، وشأن المجتمع العام، ويمزجهما معا بوعي عميق.
سلس اللغة والعبارات، كأنه يكتب بماء جاري ينساب بخفة من بين يديه.
في إحدى الدراسات النقدية التي قمت بها لأعمال الأستاذ خيري شلبي رصدت لترسب وحدة مَّا تجمع موجودات الحياة فى دلالات ذات مغزى صوفى فلسفى عميق في رواياته، مغزى ينصهر فى السرد بتلقائية، لا يقف الكاتب عليه طويلاً قدر ما يومض سريعا في التراكيب، ويهمس مهرولاً فى النصوص الروائية، لكنه يستشف من الفقرات الحكائية وله وجود فعلى.
هناك علاقات تواصلية تسرى بين الموجودات، وتوحى بطاقة فعالة تصنع كياناً كلياً، وجوداً ميتافيزيقياً يخلخل الكيانات المادية، ويتأبى على الحدود والقيود الذى يفرضها منطق الوضوح العقلى الساذج.
يلوَّح الكاتب بهذه الفكرة فى جل إبداعاته على محاور متعددة، ويستدرج قارئه بمكر وحيل فنية إلى عوالم الأساطير والسحر والفانتازيا، والرؤى الصوفية المحكية بربابة قديمة وشجية، خطوة بعد أخرى، وفقرة تلو أخرى يخلَّق عوالم عجائبية طازجة تند عن آفة التكرار، كما يعبث بقوانين البشر ومحدودية الفصل بين الكائنات، ويشير إلى العلاقات غير المرئية فى الوجود.
فالراصد لنصوصه يلحظ أن هناك تماهيا وتواصلا بين الإنسان وظواهر الطبيعة، بينه وبين الحيوانات، والأشياء، والقيم، والكون، والإله.
يتوحد صوت الفلاحة في روايته “إسطاسية” مع الطاقة الكامنة فى الوجود، يسيطر إصرارها وإرادتها على قوى الوجود وتستنزل العقاب على قتلة ابنها، تستحث السماء وتؤدي طقوسها إلى أن يتحقق لها ما تريد.
فى “موال البيات والنوم” يصف الروائى ضياعه فى المدينة، فيشعر بأنه كخيط من الدخان ينسلخ من الكتل الثقيلة، ويتمنى لو نام بحضن سحابة هابطة من عل. وهو ما يدلل على عدم شعوره بالأمان في المدينة التي سعى إليها تحت تصور أنها حياة الفرص والتحقق والنجاح، فقابلته المدينة بوجهها الانتهازي الصاخب واللزج من خلال نماذج بشرية ومنظومة علاقات متنوعة معظمها نفعي.
فى مستهل روايته “الوتد” يصف خيرى شلبى تأثر الجميع بموت الحاجة “تعلبة” حتى الحيوانات التي سيطرت حالة من الحزن واليأس على الوجود المحيط بالجميع.
هذا الاندماج بالعالم والتماهي معه يتيح للفنان عوالم الشغف والإثارة وهو ما يدفع خياله لإبداع كل مايطور العقل البشري ويدفعه للتأمل، فيترك لدى قارئه متعة الفكر والوجدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock