مقالات وآراء

ناجح إبراهيم يكتب .. يا ويلك من الملازم أول

كتب ناجح إبراهيم (الشروق) – مكثت سنوات طويلة فى المعتقل كان الضابط يحضر إلينا برتبة ملازم فنظل معه ويظل معنا حتى يصل إلى رتبة العميد أو اللواء ونتابع حياته كما يتابع حياتنا، حتى يكاد كل منا يعرف الآخر جيدا ونتصادق ونتحاب بحسب استعداد كل منا لذلك.. وخلال هذه الرحلة الطويلة المملوءة بالضحك والبكاء والسراء والضراء كنا نشكو كثيرا ممن ممارسات الرتب الصغرى من الضباط.. وعلى الأخص الملازم والملازم الأول.

وفى أحد الأيام ذهبت أنا وبعض الإخوة إلى مدير المباحث وكان برتبة عميد لنشكو له تصرفات طائشة لملازم أول فإذا به يتنهد قائلا: «يا ويلك من الملازم أول وشموخه ومتاعبه».. فقلت له: «وهل يعقل أن هذه الرتبة تضايقكم أنتم؟!».. فقال فى حسرة: «إنهم يسببون لنا مشاكل كثيرة ويظنون أنهم ملكوا زمام الكون بالعصفورتين على كتفه».

كان هذا الحوار منذ قرابة عشرين عاما كاملة أدركت بعدها أن هذه الشريحة العمرية تمثل أزمة فى كل مكان كما أنها فى الوقت نفسه تحمل طاقات إيجابية هائلة لو تم توجيهها التوجيه الصحيح.. فهى عماد العمل فى كل القطاعات ومنها الشرطة وكذلك الدعوة فى الحركة الإسلامية.. ولكنها السبب أيضا فى كل السلبيات والخروقات فى كليهما معا.

تذكرت ذلك كله وأنا أتابع قصة الملازم أول الذى ضرب الجندى فى معسكر العريش حتى مات لأنه لم يقتنع بمرض الجندى وعدم قدرته على حضور الطابور التدريبى الشاق.

وقصة ملازم أول دمنهور الذى أحب فتاة وتقدم لخطبتها عدة مرات وفى كل مرة يقابل بالرفض فأخذ يطاردها فى عملها فاستغاثت بخالها فحدثت مشادة بينهما فأخرج الملازم على إثرها مسدسه وأفرغه فى عنقه فمات على الفور.. وأخذ الملازم يصيح بعد ذلك: لم أقصد ولا أدرى كيف حدث هذا؟

وتذكرت الملازم أول الذى فى سجن دمنهور فى التسعينات وكان فى غاية التهور والنزق وكان يعلق المعتقلين على الأبواب ويضربهم بالكرابيج ويتبع سياسة العقاب الجماعى للعنبر كله دون أن يأمره أحد بذلك أو ينهاه عنه.. وتسبب فى خلع عين أكثر من معتقل.. ثم دارت عليه الدوائر بعد إبعاده عن السجن بفترة وفصل من الخدمة نهائيا .

وتذكرت أيضا ملازم أول عين حديثا فى السجن فى الثمانينات وكان يمر دوما على شاويشية العنابر فإذا وجد شاويشا فى الحمام أو يتوضأ أو يأكل أو يصلى أمر بسجنه أو الخصم من مرتبه.. فضج الشاويشية واشتكوه إلى مدير السجن الذى زجره ووبخه وأمره ألا يوقع فى دفتر أى شاويش.. وسحب منه كل الاختصاصات.

وتذكرت أيضا ذلك الملازم أول الذى انضم وقتها إلى مباحث السجون فإذا بى لا أذهب ناحية الإدارة إلا ورأيته حاملا للكرباج يضرب به المساجين الجنائيين وهم يزحفون على بطونهم وهم يصيحون من الألم.. فقلت يوما لضابط كبير: أليس هناك عقل لدى هذا الملازم.. أيظن أنه ملك الكون كله.. فقال: إنه مجنون وقد تعلم هذه العادة السيئة من النقيب فلان الذى كان يضرب كل مسجون جديد على قفاه.. ولكنه صار الآن أسوأ منه.. ولولا أننى أمنعه عن المساجين السياسيين تماما لكنتم رأيتم منه أياما سوداء.

«يا ويلك من الملازم أول».. حكمة مازلت أرددها كلما رأيت شططا وخرقا يخرج من مثل هذا الشباب الغر المفتون بنفسه وسلطته وقوته حتى يقع فى كارثة أو مصيبة تضيع مستقبله وتذل أنفاسه ويمكن أن تضعه فى السجن كما حدث مع ملازم العريش ودمنهور أو قناص العيون.

إن الدنيا كلها أقل شأنا من أن يغتر بها الإنسان أو تغريه بظلم الآخرين من جنوده، فضلا عن خصومه الذين ساقهم القدر ليكون مسئولا عنهم ولا حول لهم ولا قوة.

ومازلت أذكر حتى اليوم أول حالة طبية معقدة قابلتها بعد تعيينى كطبيب امتياز فقد أتى إلى َّ مجند من فرق الأمن فقد النطق بسبب ضربه فى المعسكر 50 عصا على يديه فلم تستطع نفسه أن تتحمل هذه الإهانة أو يردها فأصابه ما أصابه.

وأذكر أن شقيقى الأصغر المرحوم أحمد كان مع مجموعة من المعتقلين فى التسعينات فى فرق الأمن بأسيوط فابتلاهم الله بملازم أول مجنون كان يريهم من ألوان الهوان والعذاب مالم يؤمر به ولا يعرفه رؤساؤه.. وكان يختار نوبة الليل حتى يفعل بهم ما يشاء.. ومن فرط نزقه أنه كان يأتى بمعتقل سياسى ويجبره على شرب حلة عدس كاملة أمامه وإلا ضربه ضربا مبرحا.. حتى أوقع الله هذا الملازم فى خطأ جسيم مع أحد رؤسائه فحوكم وطرد من الخدمة.. مع أن اكتشاف أمر هذا الملازم وجنون العظمة التى كانت لديه لم يكن يخفى على أحد فقد كان معروفا لدى كل المعتقلين والجنود ومادة لسخريتهم حتى اليوم.. ولم يكن يحتاج كل هذا الوقت وكل هذا الإهدار فى كرامة الناس ولا كل هذه المآسى التى تركها خلفه حتى يكتشف أمره.

وكان أخى المرحوم أحمد ظريفا ودودا ذا عقل راجح.. فكان كلما جاء دوره فى التنكيل به احتال على الملازم ليسرد عليه أجمل النكات وأحدثها فيألفه وينسى دوره فى التنكيل به.. وكان يحكى لى عن الأعاجيب فى تقلبات مزاج هذا الملازم مما يضحك ويبكى فى الوقت نفسه.

إن رتبة الملازم والملازم أول تعد مصدر قوة وحيوية فى الداخلية وغيرها ولكنها أحيانا مصدر شقاء لها ولأصحابها أيضا.. وهى تشابه إلى حد كبير نزق وانفلات بعض الشباب فى الحركة الإسلامية الذين يندفعون نحو العنف أو التكفير أو التفجير دون عقل أو تريث أو حكمة.

إنها مأساة هذه الشريحة العمرية التى ظلمناها جميعا فلم نعلمها ونراقبها ونحاسبها جيدا .. وهى ظلمتنا بتقديم أسوأ الصور عنا وتشويه صورتنا لدى الآخرين.

وصدق ابن مسعود حينما قال «الشباب شعبة من الجنون».. وقد أنكرت هذه الكلمة واستهجنتها ورفضتها فى شبابى وحماستى وتهورى.. ثم أدركت قيمتها وعظمة معانيها فى سنوات نضجى وعقلى.. وهى تتشابه وتتشابك مع قولة عميد الشرطة «يا ويلك من الملازم أول»

إنها إحدى القضايا العميقة التى تحتاج إلى حل جذرى.. فكيف نوازن بين اعتداد الضابط بنفسه وقوته فى الحق.. وبين تواضعه للناس وانكساره أمام رب الناس.. وأنه حارس للقانون وليس أول من يخرقه.. وأن الشريعة أوصته قبل القانون بالأسير من الأعداء الذين يحاربوننا فكيف ببنى وطنه من الجنود أو السجناء فى الأقسام والسجون.. «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينا وَيَتِيما وَأَسِيرا».

وكل هذا لا يعنى التعميم على كل أصحاب هذه الرتب.. ولكن معظم الخروقات والمظالم تأتى من هذه الرتب الصغيرة بالذات التى تحتاج أن تعيش دوما مع دعاء النبى صلى الله عليه وسلم «اللهم إنى أعوذ بك أن أكون فى نفسى عظيما وعندك حقيرا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى