أخبارشؤون عالمية

ألمانيا قلقة.. ماذا لو غرقت فرنسا في الفوضى؟

في ألمانيا يتندرون على الجيران الفرنسيين بنكتة تختزل بشكل ساخر الفروق في الثقافة الاحتجاجية عند الشعبين، فيقولون “في ألمانيا نعمل من أجل أن نعيش. أما في فرنسا فيتظاهرون لكي لا يُضطروا إلى العمل”.

بالطبع، يبالغ الألمان عندما يمازحون جيرانهم بمثل هذه النكتة وغيرها كلما اضطربت شوارع المدن الفرنسية، ولكنّ ذلك يجسد نظرة الألمان إلى ثقافة الاحتجاج والإضراب في فرنسا، حيث تتحول الاحتجاجات في بعض الأحيان إلى اختبار حقيقي للعلاقة بين السلطة والمواطن، فالنقابات الفرنسية أقوى بكثير من نظيرتها الألمانية والشارع الفرنسي يمتلك تاريخيا أطول من التعبئة والمواجهة. end of list
صحيح أن استخدام السخرية للمقارنة بين شعبين لصيقين يبقى في إطار ممازحة الجار لجاره، ولكنّ قلق ألمانيا من الاحتجاجات حقيقي، لأن حكومة برلين تخشى من ألا تكون نظيرتها في باريس قادرة على تجاوز الأزمة الراهنة، ومن أن يؤدي صعود اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان وحزب التجمع الوطني إلى إضعاف المحور الألماني الفرنسي الذي يُعد العمود الفقري لأوروبا الموحدة، وذلك كله في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى الوحدة والقوة في مواجهة 3 قوى عالمية في آن واحد، روسيا والصين والولايات المتحدة.

ومع ذلك على الألمان ترك النكات جانبا، لأن فرنسا ليست مجرد جار كثير الاحتجاج، بل هي قوة أوروبية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن ودولة نووية وشريك لا غنى عنه، لأن أي تحول سياسي جذري في باريس ستتجاوز تبعاته حدود فرنسا وسيشمل الاتحاد الأوروبي برمته، ومن هنا تتساءل النخب الإعلامية الألمانية والرأي العام: “ما العمل إذا خسرنا فرنسا؟”.

اليمين المتطرف الرابح الأكبر
يتساءل رئيس قسم الشؤون الخارجية في المجلة الألمانية الكبيرة “دير شبيغل” ماتيو فون رور، في مقال بعنوان “ماذا لو خسرنا فرنسا؟”؛ فالجمهورية تحترق ومارين لوبان تتصدر استطلاعات الرأي وفرنسا تواجه شللا سياسيا في وقت تحتاج فيه ألمانيا أكثر من أي وقت مضى لأوروبا قوية في مواجهة وتضيف المجلة المحسوبة على اليسار الليبرالي بالقول إن ما يحدث في فرنسا “يرتبط بالثقافة الاحتجاجية الفرنسية، فقد قطع الفرنسيون رأس ملكهم خلال الثورة، ثم أنشؤوا مع إقامة الجمهورية الخامسة رئيسا صنعوا منه ملكا جديدا، إلى حد ما”. ومنذ قراره المتسرع بحل البرلمان عام 2024، فقد ماكرون نهائيا أي أغلبية مستقرة، فوفقا لاستطلاعات الرأي، لا يؤيده سوى 17% من الفرنسيين، في حين تُعد مارين لوبان أكبر الرابحين من هذا الوضع، لأنها تتقدم في استطلاعات الرأي لانتخابات عام 2027.

ولا تريد لوبان -وفق المجلة- إخراج فرنسا من الاتحاد الأوروبي، كما كانت تدعو سابقا، لكنها تريد تقليص المساهمات المالية الفرنسية في الموازنة الأوروبية واستعادة الصلاحيات من مؤسسات الاتحاد الأوروبي ونقلها إلى باريس، ووقف الدعم المقدم لأوكرانيا.

ويضيف الكاتب أن ذلك بالنسبة لألمانيا سيكون كارثيا لأن حكومة برلين تحاول حاليا التكيف مع عالم لم يعد من الممكن فيه الاعتماد على الولايات المتحدة في عهد دونالد ترمب، وذلك في وقت تحتاج فيه ألمانيا إلى أوروبا أقوى عسكريا وسياسيا.

مسؤولية ألمانيا
ويرى الكاتب أن فرنسا لا غنى عنها لتحقيق ذلك، فهي ثاني أكبر قوة اقتصادية في الاتحاد الأوروبي، والدولة الوحيدة فيه التي تمتلك أسلحة نووية، كما أنها عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ويحمّل المقال ألمانيا جزءا من مسؤولية الوضع الراهن قائلا “ماكرون أدرك هذه الحقائق مبكرا وطالب في خطاب ألقاه عام 2017 في جامعة السوربون بمزيد من السيادة الأوروبية، لكنّ برلين استجابت لهذه المطالبات آنذاك بتردد”.

أما الآن وفي الوقت الذي تحتاج فيه ألمانيا إلى أوروبا قوية، فتفتقر فيه فرنسا إلى القدرات اللازمة، وذلك في وقت يزداد فيه الاستقطاب السياسي في ألمانيا نفسها.

ويختم الكاتب بالقول: إن الوضع الراهن يكشف حقيقة مهمة، وهي أن أفضل الخطط الرامية إلى تحقيق السيادة الأوروبية فائدتها تكاد لا تُذكر إذا كانت الدول التي يُفترض أن تتبنى هذه الخطط وتعززها عاجزة عن معالجة مشكلاتها الداخلية.

كأنها الرئيسة الفعلية
وفيما اكتفت “دير شبيغل” بالتحذير من احتمال وصول اليمين الفرنسي المتطرف إلى السلطة، سبقتها صحيفة “برلينر تسايتونغ” إلى رسم صورة استباقية لهذا السيناريو، إذ قدمت الصحيفة لوبان في عنوانها وكأنها الرئيسة المقبلة للبلاد، قائلة في مقال رأي “مارين لوبان تقدم نفسها وكأنها الرئيسة الفرنسية الفعلية”.

وتضيف أن لوبان تسعى إلى استثمار موجة العنف في الشوارع الفرنسية في تعزيز صورتها بوصفها الرئيسة المقبلة للبلاد، وذلك وسط مخاوف في فرنسا وأوروبا من أن تؤدي الاضطرابات إلى زيادة شعبيتها قبل انتخابات عام 2027.

ووفق الصحيفة، فإن لوبان دعت في خطاب مصوّر إلى الهدوء واستعادة النظام، ولكنها هاجمت حكومة ماكرون، متهمة إياها بالعجز، إلا أن سياسيين فرنسيين يخشون من أن تمنح أعمال العنف اليمين المتطرف فرصة لتعزيز موقعه الانتخابي، وذلك رغم أن لوبان لم ترشح نفسها لغاية الآن لانتخابات 2027.

أما إذا تعذر ترشحها، فإن رئيس حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا هو البديل وهو أكثر تشددا منها، كما تقول الصحيفة.

مقالات ذات صلة

الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock