أخبارشؤون عربية

الإخوان المسلمون في سوريا.. خطوة إلى الخلف أم الحل؟

تحولات الإسلاميين: من الثورة إلى الدولة.. هل تظل التجربة محصورة في الداخل السوري؟

لم يكن شيء مما حدث في سوريا متوقعًا ولا مُتخيلًا في أكثر السيناريوهات تطرفًا، عندما بدأت عملية “رد العدوان” العسكرية، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بقيادة هيئة تحرير الشام وبشراكة جميع الفصائل العسكرية الإسلامية الأخرى وفصائل الجيش الحر، وانتهت في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 بإسقاط نظام الأسد الذي روَّع السوريين لأكثر من خمسة عقود.

بالرغم من أن سقوط النظام شكَّل حدثًا سوريًّا تاريخيًّا فارقًا ستمتد آثاره لعقود طويلة، فإن دلالاته الأعمق تكمن في تحولات الحركة الإسلامية نفسها في هذا البلد، ومن المتوقع أن تكون أبعد من ذلك بكثير؛ فقد شكَّلت سوريا مختبرًا لجميع الحركات الجهادية التي وفدت إليها من أنحاء العالم، وهي المرة الأولى التي تصل فيها حركة جهادية إلى موقع السلطة عبر القوة المسلحة في سوريا وتحظى بدعم إقليمي ودولي غير مسبوق، وهو يعكس التحولات في المنطقة، والتحول الذي أصاب الجهادية السلفية في سوريا على الأقل. ولن يبقى في سوريا ما حدث فيها، لطبيعة الوضع الجيوسياسي في سوريا، وطبيعة موقع سوريا (الشام) في المخيلة الإسلامية.
طوال سنوات الحرب (2011–2024)، كانت خارطة القوى والجماعات الإسلامية غير مستقرة، لكنه في السنوات الأخيرة صار واضحًا أن الجهادية السلفية العابرة للحدود انحسرت تقريبًا انحسارًا شبه كامل في سوريا، فيما زاد حضور النزعة المحلية لدى الفصائل العسكرية الإسلامية.

وقد لعبت عوامل عدة في تحويل النزعة المحلية إلى فاعل مؤثر، منها التنافس على الموارد والنفوذ، وبالتأكيد الأساس السياسي للأحداث في سوريا الذي جذب الجماعات الإسلامية المختلفة -والجهادية منها على وجه الخصوص- للانخراط في الأحداث، وكذلك الأصول الاجتماعية لأعضائها. وفي نهاية عام 2024، كانت الخارطة تضم قوى إسلامية محلية من خلفية جهادية تحمل مشروع “دولة سُنِّية” لمواجهة المشروع الإيراني وتمارس حكمًا محليًّا، وقوى وطنية ينحدر قسم لا بأس به منها من سلفية محلية أو صوفية شعبية، فيما ظل تأثير التنظيمات الإسلامية السياسية محدودًا. وعلى الرغم من وجود تنظيمات إسلامية سياسية ناشئة، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين بقيت هي القوة السياسية الأهم، وتكاد تكون الوحيدة التي لها حضور ملحوظ، في حين طوَّرت جماعات الإحياء الديني هياكلها وبدت في السنوات الأخيرة أكثر شعبيةً ونفوذًا، ولاسيما المجلس الإسلامي السوري وروابط علماء الدين، وتعدَّى نشاطها الإحياء الديني إلى المجال السياسي والتأثير فيه. لقد أدى انتقال “هيئة تحرير الشام”، بوصفها التعبير الأبرز عن السلفية الجهادية المتحولة، إلى موقع إدارة الدولة إلى تحولات جذرية في تفكيرها الإستراتيجي وفي ممارساتها السياسية والتنظيمية.

وقد أثار هذا التحول غير المتوقع أسئلة جديدة لدى الباحثين في مجال الحركات الإسلامية والحركات الجهادية بوجه خاص؛ إذ يمكن اعتبار ما جرى بمنزلة “صدمة تحليلية” تدفع إلى إعادة التفكير في ديناميات العلاقة بين الأيديولوجيا والبنية الاجتماعية والسياسية للحركات السلفية الجهادية، والبحث عن آليات منهجية أكثر قدرةً على فهم الظاهرة والتنبؤ بها.

وبالنظر إلى تعقيد المشهد السوري، فإن هذه الورقة تحاول فهم المشهد كاملًا والتفاعل بين التيارات المختلفة في السنوات الأخيرة، لتفسير التحولات التي حدثت منذ سقوط نظام الأسد في عملية عسكرية خاطفة، وستركز الورقة على ثلاثة أنماط من التنظيمات الإسلامية: الجهادية السلفية، والإسلام السياسي، والإحياء الديني. وبالنظر إلى أن السياق والأحداث كانا يتركان آثارهما على كل تغير في هذه التنظيمات، فقد أوْلت الورقة هذا السياق اهتمامًا ملحوظًا لتحولات الإسلاميين في سوريا. ولًا: التيارات الإسلامية عشية سقوط النظام
في مقابل صعود أشكال أكثر براغماتية من الحركات الإسلامية المسلحة، ظلت الأحزاب السياسية الإسلامية تتبنى خطابًا تقليديًّا ينتمي إلى حقبة ما قبل الثورة وإلى سنوات الصراع مع نظام الأسد، والمقصود هنا على وجه الخصوص جماعة الإخوان المسلمين والحزب التابع لها “وعد”. في حين كان يتطور الخطاب السياسي للجهادية السلفية ويعكس التحولات العميقة من حوله.

وتكَشَّف في نهاية المطاف عن خطاب سياسي محافظ بملامح وطنية وليبرالية في الاقتصاد والسياسة، يستوعب إلى حدٍّ كبير متغيرات العالم وآثار الحرب على البلاد، مع الحفاظ على العقيدة السلفية الجهادية للتحشيد والتعبئة.

ومن المهم فهمُ هذه التحولات لفهم كيف صارت تفكر وتعمل هذه التنظيمات الآن وما الديناميات التي تتحكم بها، وكيف تكيفت مع تحولات الوضع السوري.

الجهادية السلفية المتحولة

إن تاريخ تشكل جبهة النصرة وعلاقتها بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق كُتب فيه الكثير من الأبحاث، غير أن التغير والتطور في الجبهة لا يزال يحتاج مزيدًا من الفحص والتفسير، سواء ذلك المتعلق بدور قيادة التنظيم أو بالبنية الهيكلية أو بالأصول الاجتماعية لأعضائه أو بالسياق السياسي والصراع العسكري الذي دار في سوريا وغيرها.

وثمة العديد من الاستنتاجات حول هذا التنظيم بات كثير منها اليوم بحاجة إلى إعادة النظر. لقد تمثلت إحدى محطات تحولات جبهة النصرة في إدراجها على القوائم الأمريكية للإرهاب، في 11 ديسمبر/كانون الأول 2012، ثم إدراجها على القوائم الأممية، في 13 مايو/أيار 2023.

ولم تكن هذه التصنيفات مجرد إجراءات قانونية، بل شكَّلت ضغوطًا دفعت التنظيم نحو إعادة النظر في بنيته وخطابه وخياراته الإستراتيجية. وسعى قائد النصرة، أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، إلى تجنب المصير الذي لحق بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) عبر عدة خطوات: أ. إعلان القطيعة التنظيمية مع تنظيم القاعدة وتشكيل تنظيم جديد باسم “جبهة فتح الشام” (يوليو/تموز 2016).

ب. الانتقال التدريجي من الخطاب الجهادي السلفي العابر للحدود إلى صيغة جهادية محلية أكثر مرونة وأقرب إلى الخطاب الوطني، وإعادة تسمية التنظيم مرة أخرى والتخلي عن تعبير “الفتح” (Conquest) الذي يحمل دلالات تاريخية مرتبطة بالغزو وحالة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، إلى “هيئة تحرير الشام” (يناير/كانون الثاني 2017)، وتحويل التنظيم ليصبح مظلة تحالف تستوعب فصائل أخرى من المعارضة المسلحة، بما فيها بعض مكونات الجيش الحر.

ومع ذلك، ليس بالإمكان فهم هذه الخطوات فقط من منظور الضغوط الخارجية والقلق من مصير القاعدة في أفغانستان أو تنظيم داعش في سوريا والعراق؛ فقد كشفت التطورات الأيديولوجية اللاحقة أن الأيديولوجيا السلفية ذاتها لم تكن متجذرة بما يكفي في زعيم النصرة. كان هناك مزيج فاعل ومؤثر من العقائد القومية والوطنية عَزَّز في مجموعه النزعة المحلية.

كما أن الهدف النهائي للنصرة، الذي تم التعبير عنه في خطابات أبي محمد الجولاني في مناسبات عدة، لم يكن خارج الحدود السورية؛ بل إن جزءًا رئيسيًّا من الخلاف بين الجولاني وزعيم تنظيم الدولة آنذاك، أبو بكر البغدادي، يرجع إلى الخلاف حول تنفيذ عمليات خارج الحدود السورية؛ ما يعكس أن النزعة المحلية كانت أصيلة فيه.

كما أن الخلفية الشخصية والتكوين السياسي والاجتماعي لـ”الجولاني”، تساعد على تفسير هذه النزعة المحلية التي كانت سببًا جوهريًّا للانفصال عن تنظيم الدولة.

وكان الهدف الرئيس له بحسب تعبيره هو: “العمل على التوحد مع الفصائل لـرصِّ صف المجاهدين”، لنتمكن من “تحرير أرض الشام” والقضاء على “النظام وأعوانه”، و”عدم استخدام الشام كقاعدة انطلاق لهجمات غربية وأوروبية كي لا نشوش على المعركة الموجودة”.

شكَّلت هذه التحولات مسارًا إستراتيجيًّا هدفه النهائي إعادة تأهيل “الهيئة” دوليًّا، أو على الأقل منع استهدافها المباشر عبر حملات دولية مشابهة لتلك التي قضت على تنظيم الدولة في الحد الأدنى.

فقد أدرك “الجولاني” أن الاستمرار في الصيغة الجهادية العابرة للحدود يضع التنظيم في مواجهة استنزافية لا يمكن تحملها، بينما يفتح خطاب “الاعتدال النسبي” والتموضع المحلي مجالًا أوسع للبقاء والتفاوض مع الفاعلين الإقليميين والدوليين.

هذه التحولات لم تمر دون آثار؛ فقد قاد إعلان الانفصال عن القاعدة إلى انشقاق المقاتلين الأجانب وتأسيس تنظيم “حراس الدين” فرعًا للقاعدة في سوريا، الذي سرعان ما تحول إلى تهديد داخلي مباشر للهيئة؛ ما دفع “الجولاني” إلى العمل على تفكيكه بصورة منهجية، وتفكيك شبكات المقاتلين الأجانب في إدلب أيضًا، للحدِّ من قدرتهم على تحدي سلطة الهيئة، في الوقت الذي كان فيه في مواجهة مستمرة مع تنظيم الدولة الذي حاول التغلغل في مناطق نفوذه، ونجح في نهاية المطاف في تعزيز صورة الهيئة كقوة محلية ليس لها امتداد مع الحركة الجهادية العابرة للحدود.

وعملت هيئة تحرير الشام على ترسيخ سلطة أمر واقع أقرب إلى نموذج الحكم المحلي المدني، وقد اقتضى منها ذلك مرونةً وأنظمة حكم شبه دولتية، عبر تشكيل حكومة “الإنقاذ” التي أدى المنشقون من أجهزة الدولة دورًا بارزًا فيها.

أسهمت هذه الإكراهات، كما الضغوط الخارجية، فضلًا عن الخشية من أن تلقى مصير “داعش”، في تحويل التحولات التي شهدتها هيئة تحرير الشام إلى وقائع ثابتة.

فإلى جانب العمل على تفكيك التنظيمات الجهادية العابرة للحدود، عملت هيئة تحرير الشام على تفكيك الفصائل السورية الأخرى، سواء تلك التي تشكِّل منافسًا لها مثل حركة أحرار الشام، أو تلك التي تمثل تنظيمات محلية محدودة القوة. وخلال سنوات ما بين 2015 وحتى 2021 استطاعت تفكيك معظم هذه الفصائل في إدلب. كانت فكرة “الجولاني” آنذاك أن مواجهة النظام تتطلب قوة مركزية، وأن أساس ضعف الفصائل يرجع إلى تشرذمها ومصادر تمويلها الخارجية، وقد كرر ذلك في أكثر من مناسبة؛ ما جعل توحيد الفصائل وتشكيل سلطة مركزية وتحقيق استقلال مالي هاجسًا لهيئة تحرير الشام بعد ظهور معالم الاستقرار في إدلب واستتباب السلطة المحلية بيدها.

كانت فكرة التوحيد تهدف في الأساس إلى حماية “المناطق المحررة” أولًا؛ إذ كان التهديد من قبل الروس وقوات نظام الأسد وحلفائه تهديدًا يوميًّا مستمرًّا، خصوصًا مع خرق اتفاقات تخفيف التصعيد، وبشكل خاص اتفاق M4–M5 الذي منح تركيا نقاطًا عسكرية للمراقبة، وسمح بتعزيز الاستقرار نسبيًّا في إدلب ومناطق سيطرة المعارضة في الشمال.

وفي حين اندمجت التنظيمات السلفية المحلية الأخرى مثل حركة أحرار الشام وجيش الإسلام وصقور الشام في الجيش الحر وتبنَّت الخطاب الوطني بالكامل، لم يمنع ذلك من حدوث انقسامات في هذه التنظيمات بين مجموعات رأت مصلحتها في الانضمام إلى هيئة تحرير الشام ومشاركتها الموارد مع الاحتفاظ بحدٍّ أدنى من الاستقلال، وبين مجموعات أخرى رأت مصلحتها في الانخراط التام في تنظيمات الجيش الحر، مثل الجيش الوطني والجبهة الوطنية للتحرير، خشية ابتلاعها.

فشلت الدعوات التي أطلقتها الهيئة لإنشاء مجلس عسكري مشترك يوحد القوى العسكرية تحت مظلة مركزية، ولعبت عوامل عديدة في هذا الفشل، منها وجود أطراف خارجية مؤثرة مثل الحليف التركي، الذي يمثل أيضًا طرفًا في ضمان تنفيذ اتفاق خفض التصعيد. قاد هذا الفشل الهيئة إلى محاولة مواصلة توحيد الفصائل بالقوة وفرض الوقائع على الأرض التي تُجبر الجميع على التعامل معها كحقائق.

اغتنم “الجولاني” فرصة خلاف في مدينة الباب مع الجبهة الشامية وحلفائها نتيجة اغتيال أحد الناشطين الإعلاميين (الإعلامي محمد أبو غنوم وزوجته)، وأطلق حملة عسكرية، في أكتوبر/تشرين الأول 2022، للقضاء على فصائل من الجيش الوطني (جيش حر) في مناطق تقع تحت النفوذ التركي (منطقتا درع الفرات وغصن الزيتون أساسًا)، لكن تدخل القوات التركية حال دون نجاح المحاولة. انتهت التنظيمات الجهادية السلفية العابرة للحدود في سوريا أو أصبحت ضعيفة للغاية، وإن ظلت بقايا تنظيم “حراس الدين” (القاعدة) موجودة على شكل أفراد متناثرين في إدلب تحت الضغط والتهديد المستمر والمراقبة.

وضمت الهيئة ما تبقى من المقاتلين الأجانب ممن يلتزمون بعدم القيام بعمليات جهادية خارج الحدود وباحترام السلطة القائمة، وخصوصًا الإيغور (الحزب الإسلامي التركستاني) وبعض المجموعات الأخرى. فيما تركزت بقايا تنظيم داعش في مناطق نائية في الصحراء، وأعلنت عبر عملياتها بين حين وآخر أنها لا تزال موجودة وتهدد بالعودة. غير أن سوريا في عام 2024 شهدت نهاية فعلية لهذه التنظيمات التي بلغت ذروتها عام 2014 قبل عقد من الزمن؛ ما يؤكد أنها تنظيمات طارئة سياسيًّا، لاسيما أنها افتقدت تمامًا إلى القاعدة الاجتماعية وفشلت في تعزيز حضورها.

التنظيمات التقليدية إلى الهامش

بالرغم من التحولات الكبرى التي شهدتها الساحة السورية خلال العقود الأخيرة، ظلت جماعة الإخوان المسلمين التنظيم الوحيد الفاعل سياسيًّا والأكثر تماسكًا تنظيميًّا، دون أن يطرأ على بنيتها الفكرية أو برامجها السياسية تغير جوهري يعكس مراجعة جادة لتجربتها التاريخية.

فقد استمرت تداعيات أحداث الثمانينات وذاكرتها الدامية المثقلة بالتنكيل والانقسام تشكل عبئًا نفسيًّا على الجماعة، وظلت تأثيراتها ممتدة حتى بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، وأدَّت التحديات الإقليمية الناتجة عن صعود الثورة المضادة، لاسيما أن دولا عربية جعلت من مواجهة تيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون، محورًا إستراتيجيًّا لسياساتها، إلى تعميق أزمة الجماعة.

وأسهمت سنوات الحرب الدامية وتعقيدات الأزمة السورية في تكريس حالة الجمود داخل الجماعة، بحيث بقي حضورها السياسي قائمًا بوصفه معطًى ثابتًا، لكن دون أن يقترن بقدرة ملموسة على إنتاج مشروع سياسي جديد أو التأثير في مسار الأحداث.

ظلت جماعة الإخوان المسلمين موجودة وحاضرة في المشهد السياسي السوري لكنها هامشية التأثير؛ كانت صورة حضورها أكبر من ظل تأثيرها الفعلي، حال جميع التنظيمات السياسية الأخرى، لكنها ظلت محتفظةً بتماسكها التنظيمي القوي؛ فقد كانت الكلمة العليا هي للقوى المقاتلة في الميدان التي لم تكن القوى السياسية تملك عليها سيطرة أو حتى نفوذًا يُذكر. وعلى الرغم من سيطرة الإخوان على عدد من الفصائل، فإن تلك الفصائل كانت صغيرة ولم يشكل النفوذ عليها فارقًا في موازين القوى على الأرض. في عام 2012، أنشأ إخوان سوريا تنظيمات عسكرية صغيرة تحت اسم “الدرع” (يُضاف إليه اسم المدينة)، ثم أنشؤوا مظلة عسكرية لها تحت اسم “هيئة دروع الثورة”، وتجنبوا على العموم استخدام أسماء إسلامية مستمدة من التراث. وفي عام 2014، اندمج العديد من فصائل هيئة الدروع مع تنظيم عسكري آخر أنشأه مقربون من الجماعة تحت اسم “هيئة حماية المدنيين”، عام 2012، وأُطلق على التنظيم الجديد اسم “فيلق الشام”. أصبح هذا الأخير أحد القوى المتوسطة في الجيش الحر، دون أن يملك خطابًا سياسيًّا خاصًّا أو رؤية أيديولوجية تميزه عن باقي تنظيمات الجيش الحر.

فقد أراد الإخوان من خلال الفيلق والعمل العسكري، على ما يبدو، حجز موقع لهم على الأرض يسند موقعهم في الخارطة السياسية ويقوي قدرتهم في التفاوض على مستقبل سوريا عندما يحين الوقت. عشية سقوط نظام الأسد، في ديسمبر/كانون الأول 2024، بقي من خارطة الإسلام السياسي، الإخوان المسلمون وحزب “وعد” التابع لهم، وعدا ذلك فإن الأحزاب والتنظيمات السياسية الإسلامية لم يُكتب لها البقاء أو بقيت هامشية للغاية إلى درجة أنه لا أحد يلحظها، باستثناء تنظيم جديد هو “تيار سوريا الجديدة” الذي تأسس رسميًّا عام 2024. ومع ذلك يجب أخذ هذا التنظيم في الحسبان عند الحديث عن التحولات المقبلة.

لقد تفككت فعليًّا جميع تنظيمات الإسلام السياسي، سواء تلك التي نشأت بغرض التنافس على حجز موقع في منصات المعارضة أو تلك التي نشأت فيما بعد؛ لأسباب عدة أهمها أنه لا توجد بيئة طبيعية لممارسة النشاط السياسي، فالقوى التي تحكم هي القوى العسكرية، ولكل منها منطقة نفوذ وجغرافيا تمارس فيها سلطتها. وجميع الأحزاب السياسية لا تملك تأثيرًا مهمًّا على الأرض، باستثناء حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الكردي الذي يملك ميليشيا وحدات حماية الشعب (YPG)، وقد سيطر من خلالها، بدعم من قوات التحالف الدولي، على أكثر من 21% من الأراضي السورية. وبالتالي، فإن الوجود الفعلي لهذا التنظيم يستمده من ذراعه العسكرية لا من نشاطه السياسي وحده إحياء الإحياء الديني

كانت الضغوط الأمنية على جماعات الإحياء الديني في سوريا لاتخاذ موقف موال لنظام الأسد قد أدت إلى انقسامات في تلك الجماعات أو خروجها بالكامل من مناطق سيطرة النظام، إما إلى المناطق المحررة أو إلى المنفى.

ومثل جماعات دينية سورية أخرى انقسمت “جماعة زيد” بين جماعتين، جماعة في مدينة دمشق لا تعلن تأييدها لتوجهات الثورة وتفضل الحياد السياسي وإظهار الولاء للنظام من دون مبالغة طلبًا للبقاء والاستمرار في جهودها للإحياء الديني، وأخرى في المنفى بقيادة شيوخ الجماعة الرمزيين، الشيخ أسامة الرفاعي والشيخ سارية الرفاعي أبناء مؤسس الجماعة. أعادت الجماعة تنظيم نفسها في المنفى، وهو الذي ساعدها على توسيع تأثيرها على المجتمع السوري، فقد كان تأثير الجماعة قبل ذلك محصورًا بدمشق تقريبًا.

وحين تشكل “المجلس الإسلامي السوري”، عام 2014، لعبت جماعة زيد دورًا محوريًّا فيه؛ فقد شُكِّل المجلس من الأئمة والفقهاء والشبكة المشيخية السورية، وغلب عليه طابع المشيخة الدمشقية وطيفها في جنوب ووسط سوريا.

كان الغرض من إنشاء المجلس في الأساس مواجهة الفكر المتشدد لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة، بالإضافة إلى مواجهة الخطاب الديني الذي استخدمه النظام لمواجهة الثورة. وعلى الرغم من أن هذه الأهداف كانت سياسيةً بالدرجة الأولى، فإن المجلس في السنوات الأخيرة بدأ يعالج قضايا اجتماعية ودينية، وأخذ يهتم أكثر بالإحياء الديني في مناطق الشمال السوري على نحو خاص، بعد أن تم تنصيب رئيس المجلس في موقع “المفتي العام للجمهورية العربية السورية”، في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وذلك ردًّا على إلغاء نظام الأسد هذا المنصب واستبدال مجلس الإفتاء المتعدد المذاهب به بهدف إدماج الشيعة والعلويين في الخطاب الديني حينها، وإلغاء الهوية السنية له.

لقد أدت الديناميات التي وُلدت بفعل الثورة والحرب إلى سيطرة خطاب التضحية والجهاد، وبالتالي تقدم العسكري والجهادي على ما سواه، بفعل الحاجة الماسَّة إلى المعنى في مواجهة القوة العارية.

وفي الوقت نفسه، خلَّفت التحولات حاجة ماسَّة لخطاب ديني يواجه هذه التحديات. لكن المجلس أعلن عن حل نفسه في ظل الحكم الجديد، في 28 يونيو/حزيران 2025. وعلى الرغم من أن الأسباب المعلنة لحل المجلس تتعلق بإنجازه لأهدافه مع انتصار الثورة، فإن الغرض العميق من حل المجلس هو توحيد المرجعية الدينية السنية في سوريا؛ ولهذا حل المجلس أيضًا جميع المؤسسات المرتبطة به، ولاسيما “مجلس الإفتاء” و”مجلس القراء”. غير أن هذه الخطوة نُظر إليها بريبة بأنها قد تعني سعي الرئيس أحمد الشرع إلى احتكار التمثيل الديني للسنَّة في سوريا من قبل السلطات الحاكمة. ويمكن فهمها في أحد وجوهها على أنها إخراج للإخوان المسلمين من التأثير العام، فللإخوان حضور كبير في المجلس.

بطبيعة الحال تفككت جماعات دينية كاملة واضمحلت؛ بعضها لم يعد قادرًا على النشاط في المنفى، وبعضها تحول من حركة إحياء ديني إلى تنظيم عسكري، ففي زمن الثورة كان الفعل والتأثير للقوة لا للكلمة، مثل جماعة الشيخ عبد الله سراج الدين في حلب، والتي انتمى العديد من شيوخها إلى تشكيلات عسكرية، وبشكل خاص “الجبهة الشامية”، وهي تحالف عسكري تأسس نهاية عام 2014، وأصبح لاحقًا جزءًا من الفيلق الثالث في الجيش الوطني السوري (جيش حر) المناهض للنظام.

كذلك تفككت جماعة الكفتارية، أو ما يُعرف محليًّا بـ”جماعة أبو النور” (نسبة إلى لقب الشيخ كفتارو)، فقد انقسمت الجماعة على نفسها، وبرز تنافس في إرث مؤسسها بعد وفاته، وأدت نقمة بعض شيوخها على التكيف وفراغ التنظير
حدثت في سنوات الدم التي امتدت نحو عقد ونصف، تحولات عاصفة غيَّرت من منظور كثير من السوريين للعالم وللدين أيضًا؛ ما بين صراع سياسي وعسكري وبين تنظيمات إسلامية أيديولوجية “متطرفة” ومتعارضة (مثل داعش وجيش اليرموك وجند الأقصى) من جهة، وماركسية أو يسارية وقومية “متشددة” (مثل حزب الاتحاد الديمقراطي) من جهة أخرى، من دون وجود خطاب إسلامي سياسي يملأ هذا الفراغ أولًا، ولا خطاب ديني يواكب التغيرات الكبرى والتحديات التي تطرحها وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت ملاذًا للباحثين عن المعنى، ثانيًا.

وانشغل السلفيون الجهاديون في سوريا بقضايا الحكم والسيطرة على الموارد وإدارة المناطق استنادًا إلى القوة، ولم تحظ مكانة الشريعة بنقاشات حقيقية؛ إذ جرى التعامل معها بوصفها قانون الدولة بداهةً، لكنها استُخدمت في الواقع أداةً للسيطرة وتصفية الخصوم أكثر من كونها مرجعًا لتأسيس نظام حكم جديد على أنقاض الدولة الوطنية.

وقد خلَّف هذا النمط من الاستخدام صدمة أخلاقية وفكرية بسبب الفجوة بين الصورة المتخيلة للشريعة المتوشحة بالعدل والرحمة، والواقع الذي تجلت فيه تطبيقاتها على يد الفصائل السلفية.

أما تنظيمات الإسلام السياسي فانشغلت بالنضال السياسي والتحريري، وبكيفية الحفاظ على موقعها وصورتها في المتخيل العام للسوريين والبقاء رقمًا لا يمكن تجاوزه في الخارطة السياسية الوطنية، فقد ظل سؤال المكانة والمسؤولية عن الأحداث الجارية في البلاد محورًا رئيسًا لأنشطتها التنظيمية الداخلية.

وعلى الرغم من أن هاجس الهوية يمثل جوهر الأيديولوجيا السياسية لهذه الأحزاب والجماعات، فإنه اختفى تمامًا من النقاشات والأنشطة التي كانت تقوم بها.

وانشغلت حركات الإحياء الديني التقليدية بسؤالها الوجودي حول البقاء واستمرار الدور والتأثير في المجتمع، وببناء مناورات تكيفية مع قوى الأمر الواقع والسلطات المتباينة، سعيًا للبقاء تحت مظلة كل من القوى الحاكمة في سوريا.

لم تظهر خلافات فكرية عميقة حول الخيارات التي انتهجتها تلك الجماعات للاستمرار في نشاطها، بما في ذلك إعلان التأييد لسياسات النظام مقابل البقاء. وقد شكَّل هذا الإعلان خط انقسام حاسمًا وخيارًا واقعيًّا بين بديلين مرنين.

تعرضت حركات الإحياء الديني لتحولات وانقسامات، وواجه بعضها خيارات صعبة؛ فقد تغيرت خريطتها هي الأخرى، لكنها استطاعت التكيف في نهاية المطاف. تمكن قسم منها من الاندماج في العمل العسكري وتشكيل فصائل تتبع لها، ونجح قسم آخر في إنشاء هيئات ومنظمات ومؤسسات منحتها قدرة أكبر على الانتشار والتأثير، ونجحت إلى حدٍّ كبير في تنظيم عملها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية وبروزها جهة مؤثرة نسبيًّا في المشهد العام، مثل المجلس الإسلامي السوري، وروابط العلماء (رابطة علماء الشام، رابطة علماء حلب، رابطة طلاب العلوم الشرعية… إلخ)، والمدارس الشرعية والمؤسسات الخيرية التي تديرها.

وقد كسبت هذه الجماعات بانحيازها إلى الثورة ثقة وشعبية واسعتين، وبرهنت الأحداث المتعاقبة على استقلاليتها النسبية في المواقف؛ ما عزَّز قربها من المجتمع.

كما أسهمت هذه الأشكال الجديدة من التنظيم في تجاوز الخلافات حول القضايا الدينية التقليدية، واستوعبت على نحو استثنائي، الانقسام الصوفي-السلفي؛ إذ ضمت مجالسها اتجاهات دينية إحيائية متنوعة.

غير أن الجديد في المشهد هو أن هذه الهيئات ذات الطابع المؤسسي حلت محل الحركات الإحيائية التقليدية التي انحدرت منها، وأدَّت إلى اختفائها تدريجيًّا لصالح الهياكل التنظيمية الجديدة.

وقد اقتصر هذا التحول على المناطق الخارجة عن سيطرة النظام منذ عام 2012، أو ما كان يُعرف بـ”المناطق المحررة”. التدخل الحكومي فيها إلى انتقالهم إلى المعارضة حتى انتهت الجماعة. تجربة السيطرة في إدلب
لا يوجد ما يشير إلى أن فشل هيئة تحرير الشام ويأسها من السيطرة على مناطق الجيش الحر بالقوة لاسيما في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022، كان سببًا في عدولها عن المحاولة مجددًا، أو في توجهها نحو التحالف معه ومحاولة ضمه إلى مشروعها شريكًا. لكن من المؤكد أن الهيئة بدأت التفكير جديًّا، عام 2021، في التخطيط لعمليات تحرير عسكرية واسعة النطاق ضد قوات نظام الأسد وحلفائه؛ فبدأت بإعادة هيكلة جناحها العسكري بعد أن أنشأت قوات أمن منفصلة تحت اسم “جهاز الأمن العام” في إدلب، عام 2019، وهي قوات أمن داخلي واستخبارات متعددة المهام.

كما أنشأت أول “إدارة للتجنيد العسكري”، في مايو/أيار 2021، بالتزامن مع افتتاح كلية حربية في العام نفسه، مستعينةً بضباط منشقين انضموا إلى صفوفها، لتستقبل المجندين القادمين من شعب التجنيد بهدف الانتقال إلى حالة مؤسسية أكثر تنظيمًا.

فقد هدفت الكلية إلى أن تكون بمنزلة أكاديمية عسكرية تستقبل أصحاب الشهادات العلمية بصفتهم طلابًا ضباطًا في مختلف التخصصات العسكرية. أرادت هيئة تحرير الشام أن تُظهر عملها منافسًا مؤسسيًّا لفصائل الجيش الوطني التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة؛ إذ كانت فكرة إدماج الجيش الحر بالقوة أو تفكيكه لا تزال قائمة.

بالمقابل، تأخرت فصائل المعارضة حتى أنشأت كلية عسكرية، وتم ذلك بالفعل في منتصف أبريل/نيسان 2024، ويبدو أنها جاءت استجابةً أو مواكبةً للخطط العسكرية التي كانت هيئة تحرير الشام قد بدأت الإعداد لها.

وقد كانت فصائل المعارضة السورية العسكرية قد استخدمت الطيران المسير في وقت مبكر، منذ عام 2012، لكنه كان طيرانًا بدائيًّا مُعَدًّا للاستخدام الشخصي، جرى تعديله جزئيًّا ليصلح للأغراض العسكرية، في الاستطلاع غالبًا أو القصف الانتحاري من مسافات قريبة.

غير أن هيئة تحرير الشام بدأت العمل مبكرًا على تطوير أسلحتها النوعية، وبشكل خاص الدرون العسكري.

وفي اليوم الأخير من عام 2017، نفذت أول هجوم بطائرات مسيرة صغيرة بأجنحة خشبية يدوية الصنع على مطار حميميم، الذي يبعد عن أقرب نقطة لسيطرة الهيئة نحو 50 كم أو يزيد، وقد استمر الهجوم بشكل متقطع سبعة أيام (من 31 ديسمبر/كانون الأول 2017 حتى 6 يناير/كانون الثاني 2018)، وأدى إلى عطب عدد غير محدد من الطائرات الحربية، في حين اعترفت موسكو بمقتل ضابطين روسيين في القاعدة. وبحسب مصادر رسمية روسية، أظهر الفحص أن جميع الدرونات كانت مزودةً بأجهزة استشعار حرارية وأجهزة تحكم لتحديد المسار والارتفاع، وكانت على اتصال مباشر بالجهة التي تُسيِّرها، وجميعها أُطلقت في وقت واحد بعد تحميلها عبوات متفجرة مزودة بصواعق.

وقد رجحت روسيا بسبب هذه المعطيات وجود مساعدة أجنبية، وكانت تلمِّح على الأرجح إلى تركيا أو أوكرانيا.

منذ ذلك الوقت، طوَّرت هيئة تحرير الشام بصَمْت نماذج عديدة للطيران المسير الحربي، وإن لم تعتمد فيها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة، إلا أنها كانت فعالة نسبيًّا.

وقد أظهر هجوم بطائرات مسيرة على الكلية الحربية في حمص، يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (قبل عملية طوفان الأقصى بيومين)، نفذته الهيئة لاختبار نجاح نماذجها المطورة، مدى التقدم الذي أحرزته في الصناعة العسكرية الهجومية ضمن الإمكانات المحلية، ولاسيما أن الهجوم تم من مسافة تجاوزت 100 كم، واستطاعت المسيرات استهداف مواقع محددة بدقة، من بينها شخصيات رسمية بارزة، بينهم وزير الدفاع الذي غادر قبل وقوع الهجوم بدقائق.

أظهر هجوم الكلية الحربية قدرة عسكرية واستخبارية “متقدمة”؛ إذ عملت الهيئة، عبر الضباط المنشقين من الجيش وأجهزة الأمن، على اختراق الأجهزة العسكرية والأمنية للنظام السوري وحققت نجاحات لافتة ظهرت لاحقًا.

ولا شك أن الظروف الاقتصادية القاسية، وتغول الحلفاء الإيرانيين، والعقوبات الاقتصادية الشديدة، أدت إلى ضعف الموارد وتوجه النظام إلى “إنتاج وتصدير الكبتاغون” لتحقيق فوائد سياسية واقتصادية وتمويل قوات الأمن والجيش. وقد أسهم الفساد المنتشر أصلًا في تسهيل اختراقات أمنية عالية المستوى داخل أجهزة الأمن والجيش، وصلت إلى شراء قطع أسلحة ومعدات من الجيش نفسه، مثل المناظير الليلية وبعض التجهيزات التقنية.

أصبحت محافظة إدلب “إمارة حرب” غير تقليدية، بل أشبه بدولة مصغرة تمتلك مواردها الخاصة وتسيطر على منفذين حدوديين مع تركيا وثلاثة معابر أخرى مع مناطق المعارضة وقوات قسد والنظام. شكَّلت الجمارك مصدر تمويل رئيسيًّا، ونجحت الهيئة في استقطاب استثمارات سورية متوسطة الحجم، وأنشأت شركة مصرفية تعمل كبنك غير رسمي لضبط حركة الأموال وتسهيلها، وقد تمكنت من تأمين موارد اقتصادية كافية لتمويل الإدارة والأعمال الأمنية والعسكرية والصناعة الحربية والعمليات الاستخباراتية إسقاط نظام الأسد: التحول الكبير
لم يكن أحد من عموم السوريين يتخيل قبل عام أنه بالإمكان أن يتم الحديث يومًا ما عن إسقاط نظام الأسد بالقوة، لكن تحقق ذلك بالعملية العسكرية التي قامت بها هيئة تحرير الشام، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والتي أطلقت عليها اسم “عملية ردع العدوان”.

قبل هذا التاريخ، ومنذ عام 2017، كانت هيئة تحرير الشام تعمل على تطوير أسلحتها وتنظيم هياكلها العسكرية والأمنية، وأخذت تخطط فعليًّا للانتقال من الدفاع عن الحكم المحلي إلى الهجوم على مناطق سيطرة النظام وحلفائه بغرض الدفاع وتوسيع المجال الحيوي لحماية الأمن من جهة، وإضعاف “العدو” من جهة ثانية.

وابتداءً من نهاية عام 2022، بدأت الهيئة ترتيب علاقاتها لاسيما نسج علاقات جديدة مع خصومها التقليديين، والتوجه إلى بناء تحالفات بدل السياسات السابقة في تفكيك القوى والفصائل العسكرية، منها مع العشائر التي تمتلك هي الأخرى فصائل وقوات خاصة بها.

وخلال عام 2023 وحتى منتصف 2024، كانت الهيئة قد عقدت تحالفات على امتداد سوريا، بما في ذلك فصائل دروز السويداء.

وبينما كان دور المجلس الإسلامي السوري يزداد حضورًا في مقابل غياب وضعف ملحوظين لحضور الإخوان المسلمين وتنظيمات الإسلام السياسي الأخرى، فإن سياقًا جديدًا وُلد في سوريا عبر سلسلة من الأحداث، كالآتي:

1- في 24 فبراير/شباط 2022، بدأت روسيا غزوًا عسكريًّا لأوكرانيا. تبع الغزو قصف جوي استهدف البنى العسكرية في البلاد، وكذلك دخول الدبابات عبر حدود بيلاروسيا. لكن روسيا تعثرت في الغزو، وانتهى الأمر بها إلى مستنقع غير واضح النهاية؛ واضطُرَّت لتعزيز إمكاناتها في أوكرانيا، إلى سحب معظم طيرانها الحربي وسحب قوات “فاغنر” المرتزقة وأفراد القوات الروسية المنتشرة على الأراضي السورية تدريجيًّا، والتي كانت حتى منتصف عام 2023 تشغل نحو 105 مواقع وقواعد عسكرية في أنحاء سوريا وزجها في معاركها المتعثرة في أوكرانيا.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كانت لدى روسيا ثماني طائرات حربية في سوريا من أصل نحو 86 طائرة كانت تعمل في سوريا، وقد لعبت دورًا رئيسيًّا في تغلب قوات الأسد وحلفائه الإيرانيين على مناطق المعارضة ابتداءً من 30 سبتمبر/أيلول 2015].

2- مظاهرات محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية التي اندلعت في 17 أغسطس/آب 2023 احتجاجًا على التضخم وتدهور الوضع الاقتصادي ورفض التجنيد الإجباري؛ وقد تحولت بسرعة إلى مظاهرات سياسية بحلول 20 أغسطس/آب ردَّد فيها آلاف المتظاهرين شعارات تطالب بإسقاط حكومة الأسد، واستمرت المظاهرات حتى بدء عملية “ردع العدوان”، نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

3- “انتفاضة العشائر” في دير الزور ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في 28 أغسطس/آب 2023، التي “تتحكم” بالمناطق العربية القبلية الغنية بالنفط والثروة المائية. وعلى الرغم من عدم نجاح الانتفاضة، فإنها استمرت خلال عامي 2023 و2024 على شكل عمليات خلف “خطوط العدو” إلى حين سقوط النظام.

4- عملية طوفان الأقصى، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي أدت إلى إعادة تعريف الإسرائيليين للعقيدة العسكرية وبناء إستراتيجية جديدة تعتمد على توسيع المجال الحيوي والحروب الطويلة

وبالتالي إضعاف قدرات حزب الله والميليشيات الإيرانية في سوريا، وصولًا إلى إيران والهجوم على منشآتها النووية، وما أدت إليه العمليات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق في لبنان وسوريا، ومع ذلك كان الإيرانيون حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024، يمتلكون على الأقل 529 قاعدةً ومقرًّا عسكريًّا في سوريا منتشرةً في جميع البلاد. باستثناء مناطق سيطرة المعارضة ومناطق سيطرة قسد حيث توجد قوات أميركية.

5- مظاهرات احتجاجية ضد هيئة تحرير الشام، في 24 فبراير/شباط 2024، طالبت بإسقاط زعيمها، أبو محمد الجولاني، على خلفية الاعتقالات التي قام بها جهاز الأمن العام في قضية عُرفت باسم “ملف العملاء”، والتي استهدفت أكثر من خمسمائة اسم اشتُبه بتورطهم في علاقات خارجية تهدف إلى إحداث انقلاب في قيادة الهيئة.

وقد استمرت الاحتجاجات في معظم المدن الواقعة تحت سيطرة الهيئة، لكن الجولاني نجح في امتصاصها وإضعافها إلى أن توقفت، أو لم تعد مؤثرة، في نهاية سبتمبر/أيلول 2024.

وفي سياق المظاهرات، ألمح الجولاني إلى خطط الهيئة لتحرير مدينة حلب، التي كان قد شكَّل سقوطها تحولًا في مسار الثورة بل وحتى سقوط دمشق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock