صيادلة غزة في مؤتمر القاهرة.. حضورٌ مهني ورسالةٌ فلسطينية تتجاوز حدود المكان

بقلم: عبد الله معروف | هولندا
في زمنٍ تُحاصر فيه الحروب أحلام الإنسان، وتثقل فيه الأزمات خطواته نحو المستقبل، يصبح التمسك بالعلم والعمل صورةً من صور الصمود، وتغدو كل فرصة تُفتح أمام أبناء الشعوب التي أنهكتها المحن أكثر من مجرد مناسبة عابرة. ومن قطاع غزة، حيث تتشابك المعاناة اليومية مع تحديات الحفاظ على المستقبل، جاء نحو ستين صيدليًا وصيدلانية ليشاركوا في محفل علمي بالقاهرة، حاملين معهم طموح جيل يسعى إلى تطوير قدراته ومواصلة مسيرته المهنية، ورسالة شعب يحرص أبناؤه على أن يظلوا حاضرين بعلمهم وكفاءتهم وقضيتهم. لم يكن هذا الحضور مجرد مشاركة في مؤتمر تخصصي، بل فرصة للالتقاء بالخبرات، والانفتاح على تجارب جديدة، والتأكيد أن الصيدلي الفلسطيني جزء من المشهد العلمي العربي، وأن بناء المستقبل يظل هدفًا لا ينبغي التخلي عنه مهما اشتدت الظروف.
في القاهرة، يومي الرابع والعشرين والخامس والعشرين من أكتوبر عام 2026، انعقد المؤتمر الدولي التاسع لصيادلة مصر والشرق الأوسط، تحت شعار «مهنة واحدة.. أمة واحدة.. مستقبل واحد»، بتنظيم المؤسسة المصرية للصيدلة والتنمية والتدريب، وبمشاركة صيادلة من أكثر من خمس عشرة دولة عربية وأجنبية. وبين المشاركين، حظي أبناء قطاع غزة بحضور لافت، حمل أبعادًا مهنية وإنسانية، وفتح أمامهم المجال للتواصل مع زملائهم ومتابعة ما يشهده القطاع الصيدلي من خبرات وتطورات.
ولم تأتِ مشاركة الصيادلة الفلسطينيين بمعزل عن الجهود التي بُذلت لتيسير حضورهم وإتاحة الفرصة أمامهم للانخراط في هذا اللقاء العلمي. وفي هذا السياق، برز دور الدكتور ناهض البطة، الذي سعى، من خلال علاقاته ونشاطاته المهنية، إلى فتح المجال أمام الصيادلة من قطاع غزة للمشاركة في المؤتمر، انطلاقًا من أهمية وجودهم في مثل هذه المحافل، وما يمكن أن توفره لهم من فرص للتعلم والتواصل وتوسيع آفاقهم المهنية.
وقد اتخذت المشاركة بُعدًا إضافيًا مع حضور عدد من الشخصيات الفلسطينية البارزة، من بينها الدكتورة تهاني أبو دقة، الوزيرة السابقة، والدكتور فادي كساب، المستشار الطبي في السفارة الفلسطينية، الذي يشغل، وفق المعلومات المتاحة، دورًا ضمن تمثيل فلسطين لدى جامعة الدول العربية، إلى جانب شخصيات اعتبارية أخرى. وقد أتاح هذا الحضور فرصة للتواصل بين أصحاب الخبرات المتراكمة والجيل الجديد من الصيادلة، في مسعى إلى تعزيز تبادل المعرفة والاستفادة من التجارب المهنية التي راكمها أصحاب الخبرة على مدى سنوات عملهم.
وكان من بين الأهداف التي أكدها الدكتور ناهض البطة أهمية ربط الصيادلة حديثي التخرج بالمخضرمين في المهنة، بما يتيح للجيل الجديد الاستفادة من خبراتهم العملية، وتوسيع مداركه، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات التي قد تعترض طريقه المهني. فالمعرفة الأكاديمية، على أهميتها، تزداد قيمة حين تلتقي بالتجربة العملية، وحين يجد الخريج فرصة للتعلم من أشخاص خاضوا تفاصيل المهنة واكتسبوا خبراتها عبر سنوات من العمل والممارسة.
وفي هذا الإطار، أشار الدكتور ناهض إلى خضوع الصيادلة الشباب لدورات مكثفة تستهدف تطوير مهاراتهم ورفع كفاءتهم، حتى يتمكنوا، عند عودتهم إلى قطاع غزة، من امتلاك خبرة أوسع وقدرة أفضل على ممارسة مهنتهم وخدمة مجتمعهم. فالمقصود من هذه المشاركة لا يتوقف عند حضور الفعاليات أو الاستماع إلى المحاضرات، بل يتصل ببناء قدرات مهنية يمكن أن يكون لها أثر مستقبلي، ولا سيما في مجتمع يحتاج إلى كوادر مؤهلة قادرة على مواصلة العمل في ظروف بالغة الصعوبة.
ولم تقتصر المشاركة على الصيادلة حديثي التخرج وحدهم، بل حضر أيضًا عدد من أهاليهم، في مشهد يعكس مساندة الأسر لأبنائها واهتمامها بمستقبلهم العلمي والمهني. فبالنسبة إلى هؤلاء الخريجين، لا تمثل المشاركة خطوة في مسار العمل فحسب، بل تجربة تحمل معها تطلعات أسرهم وآمالهم في أن يتمكن أبناؤهم من تطوير قدراتهم وبناء مستقبل أكثر استقرارًا، رغم ما يحيط بهم من تحديات.
وكان للمرأة الفلسطينية حضورها في هذا المشهد، إذ أُتيحت للدكتورة سمر محمد ناصر الخذندار، الخريجة حديثًا من كلية الصيدلة بجامعة فلسطين، فرصة إلقاء كلمة نيابة عن زملائها المشاركين. وقد مثّل اختيار صيدلانية شابة لهذه المهمة مساحة للتعبير عن الجيل الجديد، وإبراز دور الكفاءات النسائية في المحافل المهنية، وإتاحة الفرصة أمامها للمشاركة في نقل صوت زملائها والتعبير عن تجربتهم.
وفي كلمتها، وجّهت الدكتورة سمر الشكر إلى جمهورية مصر العربية على استضافة الصيادلة الفلسطينيين واحتضانهم، معربةً عن تقديرها للأستاذ الدكتور وائل علي، رئيس المؤسسة المصرية للصيدلة والتنمية والتدريب ورئيس المؤتمر، على دعوته الكريمة التي أتاحت لهم فرصة المشاركة في هذا الحدث العلمي. كما خصّت الدكتور ناهض البطة بالشكر على جهوده ومساعدته في تيسير مشاركتهم، في كلمة عبّرت عن تقدير الصيادلة الفلسطينيين لكل من أسهم في فتح المجال أمامهم ليكونوا جزءًا من هذا اللقاء.
ولم يغب البعد الوطني عن أجواء المؤتمر؛ فقد تخللت فعالياته أغنية «فلسطين عربية» بصوت الفنانة أصالة نصري، لتضفي على اللقاء لمسة وجدانية تستحضر فلسطين وقضيتها، وتمنح حضور الصيادلة الفلسطينيين معنى يتجاوز حدود التخصص. ففي اجتماع خُصص للعلم والمهنة، وجد الانتماء الوطني مكانه أيضًا، ليذكّر بأن الفلسطيني يحمل قضيته معه أينما ذهب، وأن حضوره في المحافل المختلفة يمكن أن يفتح نافذة للتعريف بوطنه وشعبه.
وهذا المعنى كان حاضرًا بوضوح في رسالة وجّهها الدكتور ناهض البطة عبر تطبيق «واتساب»، شدّد فيها على ضرورة إبراز القضية الفلسطينية وتسليط الضوء عليها من خلال المشاركة في مختلف الأنشطة والفعاليات، مؤكدًا أن مسؤولية الفلسطيني لا تنتهي عند حدود تخصصه أو طبيعة المناسبة التي يشارك فيها، بل يمكنه أن يجعل من كل حضور فرصة للتعريف بقضيته وإيصال صوت شعبه إلى الآخرين.
وأشار الدكتور ناهض إلى أن عددًا من الصحف المصرية تناول مشاركة الصيادلة الفلسطينيين في المؤتمر، كما تطرقت إليها بعض القنوات الفضائية، معتبرًا أن هذا الاهتمام الإعلامي يمثل فرصة لإيصال صورة الحضور الفلسطيني إلى جمهور أوسع. وأكد أهمية أن يحرص كل فلسطيني على استثمار مشاركته في أي نشاط، علميًا كان أو مهنيًا أو ثقافيًا، في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في المشهد العام، وعدم تركها بعيدة عن دائرة الاهتمام.
وبذلك، اجتمعت في مؤتمر القاهرة معانٍ متعددة؛ فهناك لقاء علمي يتيح تبادل الخبرات، وجيل جديد يسعى إلى تطوير مهاراته استعدادًا للمستقبل، وشخصيات فلسطينية ذات خبرة تتيح للأجيال الشابة فرصة الاستفادة من تجاربها، إلى جانب رسالة وطنية تؤكد أن المشاركة المهنية يمكن أن تكون وسيلة لإبراز القضية الفلسطينية. وفي قلب هذه المعاني، جاء حضور صيادلة غزة ليؤكد أهمية الاستثمار في الإنسان، وفي قدرته على التعلم والتطور ومواصلة دوره داخل مجتمعه.
إن قيمة مثل هذه المشاركات لا تتحدد فقط بعدد الحاضرين أو الدول التي تمثلها الوفود، بل بما تتيحه من فرص للتعلم والتواصل وبناء الخبرات. وحين يلتقي الخريجون الجدد بأصحاب التجارب، وتُمنح الكفاءات الشابة مساحة للتعبير، ويجد الفلسطينيون فرصة لحضور علمي وإعلامي يعرّف الآخرين بهم وبقضيتهم، فإن أثر المشاركة يتجاوز أيام المؤتمر إلى ما يمكن أن تحمله من نتائج في المستقبل.
وهكذا، لم يكن حضور صيادلة غزة في القاهرة مجرد محطة عابرة في مسارهم المهني، بل تجربة جمعت بين تطوير المعرفة، والتواصل بين الأجيال، وتعزيز حضور المرأة الشابة، وإبقاء فلسطين حاضرة في وجدان المشاركين والمشهد الإعلامي. وهي رسالة مفادها أن بناء الخبرة مسؤولية تجاه المستقبل، وأن العلم يمكن أن يكون جسرًا للتواصل والأمل، وأن الفلسطيني، أينما أتيحت له فرصة الحضور، يستطيع أن يجعل من مشاركته مساحة لخدمة مهنته ومجتمعه والتعريف بقضيته.





