أخبارإقتصاد

الصين تتوسع صناعياً في دولة عربية.. وأوروبا تكشف عن “قلق متصاعد”!

الصين تسعى لمعالجة فائض الإنتاج الصناعي داخلياً عبر إعادة تصدير المنتجات من خلال شركاء تجاريين إلى أوروبا

وفي محيط مدينة طنجة شمال المغرب، تتسارع وتيرة بناء أحد أبرز مظاهر التوسع الصناعي الصيني، على مساحة تبلغ 500 هكتار من الأراضي الزراعية التي يجري تحويلها إلى مجمع “مدينة محمد السادس طنجة تيك”، الذي يستقطب مجموعة متنامية من الشركات الصينية المتخصصة في مكونات السيارات، من أنظمة الفرامل إلى بطاريات المركبات الكهربائية، في خطوة تهدف إلى دعم التحول الأوروبي نحو السيارات الكهربائية، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، واطلعت عليه “العربية Business”. لكن هذا التوسع يثير قلقاً متزايداً في العاصمة الأوروبية، إذ يرى مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن مليارات الدولارات التي تخطط الشركات الصينية لضخها في المغرب قد تحوّل المملكة إلى نقطة انطلاق لسلع مدعومة بشكل كبير، ما يهدد بإغراق الأسواق الأوروبية. وقال مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، ماروش شيفتشوفيتش، إن الاستثمارات الصينية في المغرب تعكس جهود بكين لمعالجة فائض الإنتاج الصناعي داخلياً عبر “إعادة تصدير” المنتجات من خلال شركاء تجاريين إلى أوروبا، مضيفاً: “أصبح الأمر قضية كبيرة جداً للاقتصاد الأوروبي”.
طنجة تتحول إلى مركز صناعي صيني متصاعد
في التلال المحيطة بميناء طنجة، تظهر بسرعة منشآت صناعية جديدة داخل المجمع الصناعي، حيث ما تزال قطعان الأغنام ترعى قرب الأسوار العالية للمنطقة الاقتصادية “Tanger Tech City”، التي تستقطب مصانع صينية لإنتاج مكونات السيارات.
وقد دخل بالفعل مصنع لشركة Sentury Tire حيز التشغيل، فيما يجري بناء مصنع لشركة BTR New Material Group، أكبر مورد لأنودات البطاريات في العالم، ضمن توسع واسع للشركات الصينية في المنطقة.
كما أعلنت شركات صينية أخرى خططاً للاستثمار، من بينها شركة APG المتخصصة في أنظمة الفرامل، التي ستفتتح مصنعاً بقيمة 70 مليون دولار، معتمدة على دمج العمالة المحلية مع التكنولوجيا والإمدادات الصينية.
وقال جونجي كاي، مدير المشروع في الشركة، إن هذه الاستثمارات تتيح تكاملاً بين الشركات المغربية والصينية والأوروبية، مؤكداً أن “الإنتاج القريب من السوق الأوروبية يوفر ميزة تنافسية من حيث التكلفة وسلاسل الإمداد”. مخاوف أوروبية من التحايل على الرسوم الجمركية
في المقابل، تسعى بروكسل إلى تشديد أدوات الحماية التجارية في مواجهة ما تعتبره “تحايلاً غير مباشر” على الرسوم الجمركية، سواء عبر المغرب أو غيره من الشركاء.
وقد فرض الاتحاد الأوروبي بالفعل رسوماً تصل إلى 45% على السيارات الكهربائية الصينية، بينما تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الصين تقدم دعماً صناعياً يتراوح بين ثلاثة إلى ثمانية أضعاف المتوسط في الدول الأعضاء، غالباً عبر قروض ميسّرة يصعب تتبعها.
وفي وقت سابق، قضت المفوضية الأوروبية بأن عجلات الألمنيوم المشحونة من المغرب كانت مدعومة بشكل غير عادل، سواء من الرباط أو عبر مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، ما يعكس تعقيد التداخل بين الاستثمار المشروع ومحاولات الالتفاف على القواعد التجارية.
المغرب يعزز موقعه كممر صناعي عالمي
في المقابل، تؤكد الرباط أن استراتيجيتها الصناعية تهدف إلى تعزيز التكامل في سلاسل التوريد العالمية، لا إلى التحايل على الأسواق.
وتستفيد الشركات الصينية من حوافز استثمارية مغربية تشمل إعفاءات ضريبية لمدة خمس سنوات، وقوة عاملة شابة، واستخدام الطاقة المتجددة لتقليل الرسوم الكربونية الأوروبية، إضافة إلى شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح الوصول إلى أكثر من 2.5 مليار مستهلك.
وتشير بيانات استشارية إلى أن المغرب جذب منذ جائحة كوفيد استثمارات صينية تُقدّر بنحو 6 مليارات دولار، مع تزايد واضح في وتيرة الوفود الاستثمارية القادمة من الصين.
وقال مسؤولون مغاربة إن البلاد تطمح إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة قادرة على إنتاج ما يصل إلى 500 ألف سيارة كهربائية سنوياً بحلول نهاية 2026.
جدل حول “إعادة توطين” الصناعة الصينية
لكن خبراء يحذرون من أن حجم الاستثمارات الصينية في شمال أفريقيا قد يخلق نقطة توتر جديدة في السياسات الصناعية الأوروبية.
ويرى محللون في “تشاتام هاوس” أن الصين تمتلك القدرة على السيطرة على سلسلة القيمة الكاملة، من معالجة الفوسفات المستخدم في البطاريات وحتى تصنيع مكونات السيارات والبنية التحتية المرتبطة بها، وهو ما يزيد من حساسية الملف بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
كما يشير محللون تجاريون إلى أن جزءاً من الاستراتيجية الصينية يقوم على تصدير المكونات إلى شمال أفريقيا، ثم إعادة تصديرها إلى أوروبا بعد عمليات تصنيع محدودة، مستفيدة من اتفاقيات التجارة التفضيلية.
اختبار سياسي مرتقب في بروكسل
يبقى التحدي الأبرز أمام الاتحاد الأوروبي هو تحديد ما إذا كان سيعتبر المغرب جزءاً من “النطاق الصناعي الأوروبي” في إطار التشريعات الجديدة الهادفة لحماية القاعدة الصناعية الأوروبية.
وفي حال اعتماد هذه السياسات، قد تُفرض قيود على المشتريات العامة للسيارات والمنتجات الصناعية وفقاً لنسبة المحتوى الأوروبي في التصنيع.
وفي خضم هذا الجدل، تتواصل أعمال البناء في طنجة بوتيرة متسارعة، بينما يظل الوجود الصيني في المنطقة محدوداً خارج المناطق الصناعية بسبب اشتراطات تشغيل تعتمد على العمالة المحلية.
سوق عالمية مفتوحة أم منافسة مشوهة؟
وبينما تتسع رقعة الاستثمارات الصينية في المغرب، تتباين وجهات النظر بين من يرى فيها نموذجاً للتعاون الاقتصادي العالمي، ومن يحذر من تحول شمال أفريقيا إلى ساحة تنافس صناعي قد يعيد تشكيل خريطة التجارة بين أوروبا والصين.
ويختصر أحد المستثمرين الصينيين هذا الجدل بالقول: “العالم سوق واحدة، ولدينا جميعاً مزايا مختلفة، فلماذا لا نعمل معاً؟”.

مقالات ذات صلة

الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock