مصر توسع نفوذها في سماء أفريقيا.. القاهرة مقر رئيسي للمجلس الدولي للمطارات

لم تعد طموحات مصر للتحول إلى مركز إقليمى لصناعة الطيران المدنى تقتصر على تطوير المطارات وزيادة طاقاتها الاستيعابية أو توسيع شبكة الربط الجوى مع الأسواق الدولية، وإنما امتدت إلى تعزيز حضور المؤسسات والمنظمات الدولية المعنية بإدارة وتطوير صناعة النقل الجوى، وهو ما تعكسه خطوة افتتاح المقر الإقليمى الرئيسى للمجلس الدولى للمطارات لإقليم أفريقيا (ACI Africa) بالقاهرة، بما يمنح العاصمة المصرية موقعًا أكثر تأثيرًا فى دعم وتطوير صناعة المطارات بالقارة الأفريقية.
ويمثل المقر الجديد، الذى افتتحه الدكتور سامح الحفنى، وزير الطيران المدنى، بحضور جاستن إرباتشى، المدير العام للمجلس الدولى للمطارات العالمى (ACI World)، وعلى التونسى، مدير عام المجلس الدولى للمطارات لإقليم أفريقيا، والمهندس أيمن عرب، رئيس الشركة المصرية القابضة للمطارات والملاحة الجوية، إضافة إلى عدد من قيادات الطيران المدنى الأفريقى، منصة للتنسيق والتعاون الفنى والتدريب ونقل الخبرات، ودعم المطارات الأفريقية فى مواجهة التحديات التشغيلية والتكنولوجية والاقتصادية.
وتكتسب الخطوة أهميتها من أن مصر ليست وافدًا جديدًا على خريطة المؤسسات الدولية للطيران، إذ تستضيف القاهرة منذ عام 1953 المكتب الإقليمى للشرق الأوسط التابع لمنظمة الطيران المدنى الدولى (ICAO)، وهى المنظمة المتخصصة التابعة للأمم المتحدة والمسؤولة عن وضع المعايير والسياسات الدولية المنظمة للطيران المدنى، بما يشمل سلامة الطيران وأمنه وكفاءة الملاحة الجوية والتشغيل وحماية البيئة.
يعد مكتب منظمة الطيران المدنى الدولى بالقاهرة واحدًا من سبعة مكاتب إقليمية حول العالم، ويتولى تنسيق أعمال المنظمة مع 15 دولة بمنطقة الشرق الأوسط، من بينها مصر والسعودية والإمارات والأردن والعراق والكويت وقطر والبحرين وليبيا والسودان، إلى جانب دول أخرى بالمنطقة. وتتمثل أبرز مهامه فى مساعدة الدول الأعضاء على تطبيق المعايير الدولية، وتطوير خطط الملاحة الجوية، وتقديم الدعم الفنى وبناء القدرات، وتنظيم البرامج والاجتماعات المتخصصة لتعزيز سلامة وكفاءة النقل الجوى وتعزز أهمية هذا الوجود استمرار استضافة مصر للمكتب الإقليمى، بعدما جددت الحكومة المصرية اتفاقها مع المنظمة فى أبريل 2026، بما يؤكد مكانة القاهرة كمركز للتنسيق الفنى والمؤسسى فى صناعة الطيران بالمنطقة.
كما يوجد بالقاهرة مكتب للاتحاد الدولى للنقل الجوى (IATA)، الذى يمثل شركات الطيران ويعمل على دعم مصالحها وتطوير المعايير والإجراءات التجارية والتشغيلية المرتبطة بصناعة النقل الجوى، إلى جانب تقديم الخدمات لشركات الطيران ووكلاء السفر والشحن الجوى. ورغم وجود المكتب الإقليمى للاتحاد لمنطقتى أفريقيا والشرق الأوسط فى العاصمة الأردنية عمّان، فإن وجود مكتب قطرى بالقاهرة يعكس أهمية السوق المصرية وشبكة الطيران العاملة بها.
وبذلك تتكامل فى القاهرة أدوار مؤسسات دولية تتعامل مع جوانب مختلفة من الصناعة؛ فـ«الإيكاو» تركز على المعايير الحكومية والتنظيمية وسلامة الطيران، و«أياتا» تمثل مصالح شركات الطيران وتدعم منظومة التشغيل والخدمات، بينما يضيف المجلس الدولى للمطارات بُعدًا ثالثًا يرتبط بإدارة المطارات وتطويرها ورفع كفاءتها، وهو ما يعزز موقع مصر على خريطة المؤسسات الدولية المعنية بصناعة النقل الجوى.
يمثل المجلس الدولى للمطارات (ACI) إحدى أبرز المؤسسات المهنية العالمية التى تجمع المطارات وتمثل مصالحها، وتعمل على تعزيز التميز فى الإدارة والتشغيل، ودعم مستويات السلامة والأمن والكفاءة والاستدامة. ومن خلال أقاليمه المختلفة، يوفر المجلس برامج متخصصة لتطوير الأداء المؤسسى والتشغيلى، ويربط المطارات بالخبرات والتجارب الدولية.
ومن هنا تبرز أهمية استضافة القاهرة المقر الإقليمى الرئيسى للمجلس عن قارة أفريقيا، باعتبارها فرصة لتعزيز التواصل المباشر مع إدارات المطارات الأفريقية، وتوسيع نطاق البرامج التدريبية والفنية، وتبادل التجارب الناجحة فى الإدارة والتشغيل، فضلًا عن مساعدة الدول الأفريقية على التعامل مع التحديات المرتبطة بزيادة حركة الركاب والشحن، وتطوير البنية التحتية، والتحول الرقمى، وخفض تكاليف التشغيل وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمسافرين.
وأكد الدكتور سامح الحفنى، وزير الطيران المدنى، أن اختيار القاهرة يعكس الثقة الدولية فى قدرات قطاع الطيران المدنى المصرى، وما يمتلكه من خبرات فنية وتشغيلية متراكمة وبنية تحتية متطورة وكفاءات بشرية مؤهلة، مشيرًا إلى أن استضافة المقر تتجاوز مجرد وجود مؤسسة دولية على الأراضى المصرية، لتجسد امتدادًا للدور المصرى فى دعم جهود تطوير قطاع الطيران بالقارة وتعزيز التعاون والتكامل بين دولها.
ومن جانبه، أكد جاستن إرباتشى، المدير العام للمجلس الدولى للمطارات العالمى، أن استضافة القاهرة للمقر تمثل إضافة مهمة لحضور المجلس فى أفريقيا، وتوفر منصة أكثر فاعلية للتواصل مع المطارات والجهات المعنية بالطيران المدنى فى مختلف دول القارة، بما يدعم توسيع برامج المساندة الفنية والتدريب وتحسين الممارسات الإدارية والتشغيلية.
وأشار على التونسى، مدير عام المجلس الدولى للمطارات لإقليم أفريقيا، إلى أن وجود المقر بالقاهرة سيسهم فى تعزيز التنسيق بين المطارات الأفريقية وإبراز احتياجاتها وأولوياتها على المستوى الدولى، فضلًا عن دعم مشاركتها فى صياغة توجهات مستقبل صناعة المطارات ومواكبة التحولات العالمية فى مجالات التكنولوجيا والاستدامة.
وقال المهندس أيمن عرب، رئيس الشركة المصرية القابضة للمطارات والملاحة الجوية، إن افتتاح المقر يمثل إضافة نوعية لحضور قطاع المطارات المصرى على الساحة الدولية، ويعكس ما يمتلكه من إمكانات وخبرات فنية وتشغيلية تؤهله للمشاركة بفاعلية فى جهود تطوير المطارات الأفريقية، موضحًا أن هذه الخطوة تتيح مجالات أوسع للتواصل المباشر والاستفادة من البرامج الفنية والتدريبية وتبادل أفضل الممارسات الدولية.
غير أن الأهمية الحقيقية للخطوة ستظل مرتبطة بقدرة مصر على تحويل استضافة المقر من مكسب مؤسسى ورمزى إلى برامج تعاون ملموسة، تشمل تدريب الكوادر الأفريقية، وتقديم الخبرات العملية فى إدارة وتشغيل المطارات، والمشاركة فى تحديث البنية التحتية ورفع مستويات السلامة والكفاءة التشغيلية داخل القارة، التى تواجه مطارات تحديات متعددة، من بينها تفاوت مستويات البنية الأساسية والتكنولوجيا، وارتفاع تكاليف التشغيل والتمويل، والحاجة إلى تأهيل الموارد البشرية.
كما تمنح هذه الخطوة مصر فرصة لتعزيز حضورها فى مشروعات الطيران الأفريقى، وربط قدراتها التشغيلية والفنية باحتياجات الدول الشقيقة، بما يفتح المجال أمام الشركات المصرية المتخصصة فى إنشاء المطارات وإدارتها والخدمات الهندسية والتشغيلية للمشاركة فى مشروعات التطوير داخل القارة.
وتتجاوز دلالات افتتاح المقر الجديد حدود قطاع الطيران، بالنظر إلى ارتباط المطارات بحركة السياحة والتجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادى الأفريقى؛ فكلما ارتفعت كفاءة المطارات وتحسنت خدماتها، زادت قدرة الدول على جذب حركة السفر والاستثمارات وتسهيل انتقال الأفراد والبضائع.





