جزيرة أوروبا الثرية التي فضلت الأسماك على اليورو

في غريندافيك، البلدة الواقعة على ضفاف الأطلسي على الساحل الجنوبي لآيسلندا، عادة ما يتزامن أول شعاع للضوء يشق ظلام الليل، مع هدير محركات السفن القادمة من البحر أو المبحرة نحوه. هنا اعتاد الناس لسنوات الاستيقاظ على أصوات سفن الصيد وهي تدخل الميناء بهدوء، أسطحها زلقة بالجليد، ومخازنها مثقلة بسمك القد المتجه إلى مستقره النهائي في أسواق باريس ونابولي وميونيخ، وحتى بوسطن وشيكاغو.
بُني وجود غريندافيك ذاته على هذا الطقس اليومي. فالبلدة التي تأسست قبل أكثر من ألف عام، نمت لتصبح واحدة من أهم موانئ الصيد في المنطقة، مستقبلة ما بين 2500 و3000 شحنة سنويا، ومستضيفة عبر أرصفتها أكثر من 40 ألف طن من الأسماك. هنا يمر أكثر من 40% من إجمالي سمك القد الذي يُصطاد قرب آيسلندا، ليُغذي مصانع التجهيز التي تُصدّر شرائح السمك والسمك المملح إلى الخارج في غضون ساعات، بفضل قرب الميناء من مطار كيفلافيك الدولي.
كن في شتاء 2023-2024، توقفت حركة الصيد والتجارة في المدينة، بعد أن انفتح ممر من الحمم البركانية تحتها، حطّمت الزلازل الطرق وهدّدت الحمم البركانية ضواحيها، مما أجبر سكان غريندافيك البالغ عددهم 4000 نسمة على إخلاء المدينة، تاركة واحدة من أكثر مجتمعات الصيد إنتاجية في آيسلندا خاوية على عروشها. بحلول صباح اليوم السابق لاستفتاء 29 أغسطس/آب 2026 حول استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كان الميناء لا يزال يكافح للعودة إلى الحياة لكن شبح الخوف في المدينة لا يزال حاضرا. المدينة التي أسهمت في جعل آيسلندا “قوة كبرى في مجال صيد الأسماك ” تُذكّرنا بمدى هشاشة الاقتصاد عندما يعتمد على الجغرافيا والجيولوجيا وعملة وطنية متقلبة.
على بُعد نحو ساعة بالسيارة في العاصمة ريكيافيك، داخل مبنى ألثينغي التاريخي الذي يحوي مقر البرلمان، تحوّل هذا الوضع الهش إلى مواجهة سياسية حامية. تجادل المشرّعون حول ما إذا كان لبلدهم البالغ عدد سكانه حوالي 400 ألف نسمة، أن يجلس أخيرا على طاولة الاتحاد الأوروبي التي ظل يدور حولها لثلاثة عقود، أم أن السيادة على الثروة السمكية، وعلى المال، وعلى الدفاع لا يمكن الحفاظ عليها إلا بمعزل عن بروكسل في الخارج، كان الناشطون على الطرفين يوزعون منشوراتهم بينما تتغير نتائج استطلاعات الرأي بفوارق ضئيلة، حتى حسم الاستفتاء النتيجة بـ “لا ” ضعيفة لم تفلح في إنهاء الانقسام الذي صنع التصويت لتبديده. وفي حين علقت النتيجة المفاوضات مع أوروبا حتى إشعار آخر، فإنها تجبر آيسلندا على التحديق في الهاوية تشكل سياستها: ذكريات حروب القد، وصدمة وأعباء العملة الضعيفة، والخط الأحمر لمصائد الأسماك، والمخاوف الإستراتيجية من احتدام الصراع في القطب الشمالي. في الخارج، كان الناشطون على الطرفين يوزعون منشوراتهم بينما تتغير نتائج استطلاعات الرأي بفوارق ضئيلة، حتى حسم الاستفتاء النتيجة بـ “لا ” ضعيفة لم تفلح في إنهاء الانقسام الذي صنع التصويت لتبديده. وفي حين علقت النتيجة المفاوضات مع أوروبا حتى إشعار آخر، فإنها تجبر آيسلندا على التحديق في الهاوية تشكل سياستها: ذكريات حروب القد، وصدمة وأعباء العملة الضعيفة، والخط الأحمر لمصائد الأسماك، والمخاوف الإستراتيجية من احتدام الصراع في القطب الشمالي ولوقف السقوط الحر للعملة ومنع أزمة مالية أوسع، ضمنت الحكومة جميع الودائع المحلية، وفرضت قيودا صارمة على حركة رؤوس الأموال، ولجأت إلى صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة مالية بقيمة 2.1 مليار دولار، استُكملت لاحقاً بأكثر من 3 مليارات دولار في شكل قروض من الجيران في بلدان الشمال الأوروبي وشركاء آخرين ضمن حزمة إنقاذ حرجة. وظلت القيود المفروضة على رأس المال -التي صُنفت في البداية على أنها مؤقتة- قائمة بأشكال مختلفة حتى عام 2017، وهي فترة استثنائية عُزلت فيها العملة الآيسلندية جزئيا عن الأسواق العالمية
على الرغم من كل تلك القضايا الكبرى الكامنة في خلفيته، تمحور استفتاء آيسلندا في نهاية المطاف حول مخاوف الحياة اليومية: مدفوعات الرهن العقاري، وحصص الأسماك، وأسعار المواد الغذائية، والخوف من التهميش في عالم تحكمه التكتلات.
كانت الاستطلاعات متقاربة للغاية، وقدمت الحملات الانتخابية روايات متباينة تماما حول مفهوم السيادة. جادل المؤيدون للاتحاد الأوروبي في المدن ووسط الناخبين الأصغر سنا أنه في قارة يكسوها الشك بشأن الالتزامات الأمريكية، والمخاوف من التغول الروسي، والتغيرات المناخية في القطب الشمالي، فإن الدول الصغيرة تكون أكثر أمانا في كنف تحالفات كبرى.
وفي المقابل جادل المعارضون أن آيسلندا اجتازت الأزمات سابقا بشروطها الخاصة، وأن عضوية الاتحاد الأوروبي ستفتح الباب أمام الأساطيل الأجنبية، وبيروقراطية بروكسل. أما في البلدات الساحلية مثل “غريندافيك” و”فيستمانايار”، ظلت ذكريات حروب القد مهيمنة، والشحن العاطفي غالبا. هناك كانت الموافقة تعني تسليم مكتسباتهم طوعا إلى أوروبا، وهو تصرف يرقى إلى الخيانة.
في يوم الاستفتاء ظهرت الانقسامات المتوقعة تماما: الريف مقابل الحضر، وكبار السن مقابل الشباب، والمجتمعات المعتمدة على الصيد مقابل العاصمة ريكيافيك المعتمدة على قطاع الخدمات. ورغم أن النتيجة النهائية حسمت الكفة لصالح الرافضين بنسبة 52.8% مقابل 47.2% فإن ذلك لم يحسم المسألة بقدر ما أجلها، حيث يستمر الرأي العام منقسما وتستمر أسباب الخلاف على حالها دون تغيير.
أما في غريندافيك”، حيث بدأنا هذا التقرير، فلا تزال السفن تمارس نشاطها، بينما يراقب الملاحون حركة الأمواج وتقارير النشاط الزلزالي. ولا يزال ممر الحمم البركانية الذي أخلى المدينة من سكانها عام 2023 موجودا، مذكرا بأن حتى أكثر الأسس صلابة يمكن أن تتزحزح وتنهار تحت الأقدام.
لقد اختارت آيسلندا البقاء في الموضع الذي مكثت فيه لأكثر من ثلاثة عقود: قدم في أوروبا وقدم خارجها، مقيدة بالقانون والتجارة مع القارة، لكنها عازمة على إبقاء أهم أدوات سيادتها دون نظرها وتحت قبضتها. لقد أجاب الاستفتاء على سؤال إجرائي بـ “لا” بهامش ضئيل، لكن السؤال الأكبر الذي يطرحه لن يُغلق بهذه السهولة: هل يُدافع عن الاستقلال بشكل أفضل من ميناء صيد على حافة الحمم البركانية؟ أم من مقعد على الطاولة في بروكسل؟




