أخبارمقالات متعددةمقالات وآراء

حركة فتح والمشهد الفلسطيني: من ذاكرة التأسيس إلى أزمة الانقسام وإعادة بناء المسار الوطني

بقلم : عبدالله معروف

في المشهد الفلسطيني الراهن، لا يمكن قراءة الواقع السياسي بمعزل عن تاريخه التأسيسي الطويل، حيث تتداخل الذاكرة الوطنية مع تعقيدات الحاضر، وتتشابك الرمزية الثورية مع إشكالات السلطة والانقسام. فالقضية الفلسطينية، في جوهرها، ليست فقط قضية احتلال وصراع، بل أيضًا قضية مشروع وطني لم يكتمل، تحكمه تحولات داخلية بقدر ما تؤثر فيه العوامل الخارجية.

منذ انطلاقة المشروع الوطني الفلسطيني الحديث، برزت حركة فتح بوصفها أحد أهم مكونات هذا المشروع، ليس فقط كتنظيم سياسي، بل كحامل رمزي لفكرة التحرر الوطني الفلسطيني. وقد ارتبط هذا المسار التاريخي بالخطاب السياسي الذي مثّله الرئيس الراحل ياسر عرفات، خاصة خلال ظهوره أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين قدّم الرواية الفلسطينية للعالم باعتبارها قضية شعب يناضل من أجل الحرية والدولة، لا مجرد ملف نزاع سياسي.

في ذلك السياق، تأسست معادلة سياسية تقوم على الجمع بين الكفاح والتمثيل السياسي، وبين البندقية والدبلوماسية. وقد لخّص عرفات هذا المعنى في خطابه الشهير حين أكد أن “السلام يندلع من فلسطين، والحرب تندلع من فلسطين”، وأن الفلسطينيين لا يحملون البندقية من أجل الحرب، بل من أجل الحق في دولة مستقلة وحرية كاملة، في مواجهة تاريخ طويل من النفي والاقتلاع.

كما ارتبطت تلك المرحلة أيضًا بخطاب تعبوي وثوري داخل الوعي الفلسطيني، عبّر عنه جيل من القادة والفاعلين السياسيين في مراحل مختلفة، حيث كانت الفكرة المركزية هي أن المشروع الوطني لا يُبنى فقط في ساحات القتال، بل أيضًا في الوعي الجمعي والذاكرة السياسية. وفي هذا السياق، أذكر أنني قلت في إحدى المهرجانات الفلسطينية في غزة هذا  الخطاب السياسي الفلسطيني وهو عبارات ذات طابع رمزي تعبوي مثل: “انطلقنا فانطلقت الطلقات من انطلاقتنا، وركبنا البحر وانكسرت موجاته تحت انطلاقتنا”، في إشارة إلى روح التحدي والتأسيس التي رافقت بدايات العمل الوطني الفلسطيني، بما يحمله من شحنة رمزية تعبّر عن فكرة الفعل التاريخي في مواجهة الواقع.

لكن هذا المسار، الذي انطلق على قاعدة مشروع وطني جامع، لم يَسْلَم من التحولات البنيوية العميقة، خاصة مع الانتقال التدريجي من مرحلة الثورة إلى مرحلة السلطة، وما رافق ذلك من تعقيدات سياسية داخلية وإقليمية. فقد تحوّل جزء كبير من المشروع الوطني إلى إدارة سياسية للواقع، بدل أن يبقى مشروعًا تحرريًا متكاملاً، وهو ما فتح الباب أمام أزمات متراكمة ما زالت تلقي بظلالها على الواقع الفلسطيني حتى اليوم.

وفي السياق الراهن، يبدو المشهد الفلسطيني محكومًا بحالة من الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وبين مشاريع سياسية متباينة في أدواتها ومقارباتها، الأمر الذي انعكس على وحدة القرار الوطني وعلى فعالية التمثيل السياسي الفلسطيني. ولم يعد الخلاف مقتصرًا على التكتيك السياسي، بل امتد إلى بنية النظام السياسي نفسه، وإلى طبيعة العلاقة بين القوة على الأرض والشرعية الوطنية الجامعة.

هذا الواقع يطرح إشكالية مركزية في التجربة الفلسطينية: كيف يمكن إدارة مشروع وطني في ظل تعدد مراكز القوة وتباين المرجعيات السياسية؟ وهل يمكن لفكرة المشروع الوطني أن تبقى فاعلة إذا لم تُبنَ على قاعدة توافق وطني شامل يعيد تعريف العلاقة بين الفصائل، والسلطة، والمجتمع الفلسطيني؟

في كثير من التجارب السياسية، يؤدي التفرد بالقرار السياسي إلى إضعاف البنية العامة للنظام، ويجعل من السلطة أداة إدارة أكثر من كونها أداة تمثيل وطني جامع. وفي الحالة الفلسطينية، يزداد هذا التعقيد بفعل غياب السيادة الكاملة، وبفعل استمرار الاحتلال، ما يجعل أي خلل داخلي مضاعف الأثر على المشروع الوطني برمته.

وعليه، فإن قراءة المشهد الفلسطيني اليوم لا تقتصر على توصيف حالة الانقسام، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة المسار التاريخي نفسه: كيف انتقل المشروع الوطني من فكرة التحرير إلى واقع السلطة؟ وكيف أثّر هذا التحول على وحدة التمثيل السياسي الفلسطيني؟ وما هي الشروط اللازمة لإعادة بناء هذا المسار على أسس أكثر توازنًا وفاعلية؟

إن إعادة تصويب المسار الوطني الفلسطيني لا تعني العودة إلى الماضي بوصفه نموذجًا جامدًا، بل تعني استعادة جوهر الفكرة المؤسسة: فكرة الوحدة الوطنية، والشراكة السياسية، والتمثيل الجامع. فالمشروع الوطني لا يمكن أن يستعيد فاعليته في ظل الانقسام، ولا يمكن أن يحقق أهدافه في ظل غياب رؤية سياسية موحدة تستوعب التحولات الداخلية والخارجية.

وفي المحصلة، يبقى التحدي الأهم أمام الفلسطينيين اليوم هو إعادة بناء مشروعهم الوطني على أسس جديدة، تستفيد من إرث التاريخ دون أن تُستعبد له، وتتعامل مع الواقع دون أن تستسلم له، وتعيد تعريف العلاقة بين القوة والشرعية، وبين الفعل السياسي والهدف الوطني، بما يضمن استعادة المسار إلى وجهته الأصلية: مشروع حرية ودولة وكرامة وطنية.

مقالات ذات صلة

الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock